الجاحظ
149
رسائل الجاحظ
وسببه وجميع ما ذكرنا فعناية الناس به وعداوتهم له وشهرته في نفسه دون محمد صلّى اللّه عليه وسلم . وهل نسب أحد قط لأحد إلا دون ما نسبه له رهطه وأداني أهله ومن معه في بيته وربعه ؟ ؟ وما أعرف يرحمك اللّه المعاند والمسترشد والمصدق والمكذب ينكر أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن منجما ولا طبيبا ، وإذا قال الجاهل إنه قد كان يعلم الخط فخفى له ذلك ، وتعلم الأسباب والقضاء في النجوم فخفى له ذلك ، وتعلم البيان وقدر منه على ما يعجز أمثاله عنه وخفى ذلك ، أليس مع قوله ما يعلم خلافه يعلم أنه قد سلم له أعجوبة كأعجوبة إبراء الأكمة والأبرص والمشي على الماء ؟ إذ كان ذلك لا يجوز ولا يمكن في الطبائع والعقل والتجربة . وافهم يرحمك اللّه ما أنا واصفه لك ، هل يجد التارك لصديقه أنه لا يدري بزعمه لعله كان أعلم الخلق بالنجوم ناظرا لنفسه غير معاند لحجة عقله ، وهو لم يجد أحدا قط برع في صناعة واحدة فخفي على الناس موضعه بكل ما حكينا وفسرنا ؟ وأنت كيف تعلم أنه ليس في إخوانك من ليس بمنجم وأن فيهم من ليس بطبيب إلا بمثل ما يعرف به رهط النبي صلى اللّه عليه وسلم وآله منه ! وكيف لم يشتهر ذلك ، ولم لم يحتج به عليه ! ولقد بلغ من إسرافهم في شتمه وإفراطهم عليه أن نافقوا وأحالوا لأنهم كانوا يقولون له أنت ساحر وأنت مجنون . وإنما يقال للرجل ساحر لخلابته وحسن بيانه ولطف مكايده وجودة مداراته وتحببه ، ويقال مجنون لضد ذلك كله . فصل منه - وليس ينتفع الناس بالكلام في الأخبار إلا مع التصادق ، ولا تصادق إلا مع كثرة السماع والعلم بالأصول ، لأن رجلا لو نازع في الأخبار وفي الوعد والوعيد والخاص والعام والناسخ والمنسوخ والفريضة والنافلة والسنة والشريعة والاجتماع والفرقة ، ثم حسنت نيته وناصح عن نفسه ، لما عرف حقائق باطل دون أن يكون قد عرف الوجوه وسمع الجمل وعرف الموازنة وما كان في الطبائع وما يمتنع فيها ، وكيف أيضا يقول في التأويل من لم يسمع بالتنزيل ، وكيف يعرف صدق الخبر من لم يعرف سبب الصدق ؟