الجاحظ
148
رسائل الجاحظ
قلنا : فهم في إخبارهم عن المنجمين أكذب . وبعد ، فالناس غير مستعظمين لكثرة كذب المنجمين وخطئهم وخدعهم ، والناس يستعظمون اليسير من المرسلين عليهم السلام . وكلما كان الرجل في عينك أعظم وكان عن الكذب أزجر كان كذبه عندك أعظم . وإنما المنجم عند العوام كالطبيب الذي إن قتل المريض علاجه كان عندهم أن القضاء هو الذي قتله ، وإن برأ كان هو أبرأه . على أن صوابهم أكثر ودليلهم أظهر . وقد صار الناس لا يقتصرون للمنجمين على قدر ما يسمعون منهم دون أن يولدوا لهم ويضعوا الأعاجيب على ألسنتهم ، وكل ملحد في الأرض [ مبغض ] للرسول طاعن عليه عائب له ، يرى أن يصدق عليه كل كذاب يريد ذمه ، وأن يكذب كل صادق يريد مدحه . وبعد فلو كان خبر المنجمين في الصواب كخبر الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام الذي هو حجة لما كان خبر المنجمين حجة . فان قلت : ولم ذاك ؟ قلت لأن من كثر صوابه على غير استدلال ومقايسة وعلى غير حساب وتجربة أو على نظر ومعاينة ، لم يكن الأمر من قبل الوحي ، لأنك لو قلت قصيدة في نفسك فحدثك بها رجل وأنت تعلم أنه ليس بمنجم وأنشدكها كلها لعلمت أن ذلك لا يكون إلا بوحي ، ومثل ذلك رجل اشتد وجع عينه فعالجه طبيب فبرأ فلو جعل الطبيب ذلك حجة على نبوته لوجب علينا تكذيبه . ولو قال رجل من غير أن يمسه أو يدنو إليه : اللّهم إن كنت صادقا عليك فاشفه الساعة ! فبرأ من ساعته ، لعلمنا أنه صادق . فان قالوا : وما علمنا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يكن منجما ؟ قلنا : إن علمنا بذلك كعلمنا بأن العباس وحمزة وعليا وأبا بكر وعمر رضوان اللّه عليهم أجمعين لم يكونوا منجمين ولا أطباء متكهنين . وكيف يجوز أن يصير إنسان عالما بالنجوم من غير أن يختلف إلى المنجمين أو يختلفوا إليه أو يكون علم النجوم فاشيا في أهل بلاده أو يكون في أهله واحد معروف به ، ولو بلغ إنسان في علم النجوم وليست معه علة من هذه العلل وكان ذلك يخفى لكان ذلك كبعض الآيات والعلامات ! ومتى رأينا حاذقا بالكلام أو بالطب أو بالحساب أو بالغناء أو بالنجوم أو بالعروض خفي على الناس موضعه