الجاحظ

120

رسائل الجاحظ

[ . . . ] فإذا استحكمت هذه الأمور في قلبه وثبتت في خلده وصحت في معرفته فهو حينئذ بالغ محتمل وعند ذلك يسخّر اللّه سمعه للخبر المثلج أو بصره لمعاينة الشاهد المقنع على يدي الرسول الصادق ، ولا يتركه هملا ولا يدعه مغفلا ، وقد عدل طبعه وأحكم صنعه ووفر أسبابه ، فلا يحتاج عند معاينته رسولا يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويفلق البحر ، إلى تفكير ولا تمثيل ولا امتحان ولا تجربة ، لأنه قد فرغ من ذلك أجمع ، واستحكم عنده العلم الذي أدب به وهيئ له وأورد عليه ، فإن كان لم يكن لذلك عامدا ولا إليه قاصدا ولا به معنيا ، وإنما هو عبد عبأه سيده ورشحه مولاه وهيأه خالقه لأمر لا يشعر به من مصلحته ولا يخطر على باله من الصنع له حين غذاء به وقاده إليه وهيأه له ، فإذا وردت عليه دعوى رسوله ، وأمته تشهد له بإحياء الموتى وفلق البحر وبكل شيء قد عرف عجز البشر عن فعله والقوة عليه ، علم بتجاربه المتقدمة لعادة الدنيا أن ذلك [ ليس ] من صنع البشر وأن مثله لا يقع اتفاقا وأن الحيل لا تبلغه ، فلا يمتنع من رؤية البرهان وفهم الدعوى أن يعلم أن الرسول صادق وأن الراد عليه كاذب . [ . . . ] ولولا أن هذا كلام لم يكن من ذكره بد لأنه تأسيس لما بعده ومقدمة لما بين يديه وتوطئة له ، لاقتضبت الكلام في المعرفة اقتضابا ، ولكن يمنعني عجز أكثر الناس عن فهم غايتي فيه إلا تنزيله وترتيبه ، وكل كلام أتيت على فرعه ولم تخبر عن أصله فهو خداج لا غناء عنده وواهن لا ثبات له .