الجاحظ

111

رسائل الجاحظ

عاملة ، ولأن الفتح علة الإدراك ومقدمة بين يديه وتوطئة له ، وليس الإدراك علة للفتح ولا مقدمة بين يديه ولا توطئة له ، فواجب أن يكون فعل الفاتح لأن السبب إذا كان موجبا فالمسبب تبع له . [ 4 - معرفة اللّه من فعل الانسان وليست اضطرارية ] . . . ثم قالوا بعد الفراغ من درك الحواس في معرفة اللّه ورسله وكل ما فيه الاختلاف والتنازع : إن ذلك أجمع لا يخلو من أحد أمرين : إما أن يكون يحدث من الإنسان لعلة النظر المتقدم ، أو يكون يحدث على الابتداء لا عن علة موجبة وسبب متقدم ، فإن كانوا أحدثوه على الابتداء فلا فعل أولى بالاختيار ولا أبعد من الاضطرار منه ، وإن كان إنما كان لعلة النظر المتقدم كما قد دللنا في صدر الكلام على أن درك الحواس فعل الإنسان إذا تقدم منه سببه ، فالعلم باللّه وكتبه ورسله أجدر أن يكون فعله ، إذ كان من أجل نظره علم ومن جهة بحثه أدرك ، فهذا جمل دلائل هؤلاء القوم ورئيسهم بشر بن المعتمر . ثم هم بعد ذلك مختلفون في درك الحواس إلا ما اعتمد إدراكه بعينه وقصد إليه بالفتح والإرادة ، لأن الفتح نفسه لو لم يكن معه قصد وإرادة ما كان فعل الفاتح ، فكيف يجوز أن يكون الإدراك فعله من غير قصد ؟ ولو جاز أن يكون الفتح فعل الإنسان من غير أن يكون أراده وقصد إليه ، ما كان بين فعل الإنسان وبين فعل غيره فرق ، لأنه كان لا يجوز أن يكون ذهاب الحجر إذا لم يدفعه ولم يقصد إليه ولم يخطر له على بال ، فعله ، فكذلك الإدراك إذا لم يخطر على باله ولم يقصد إليه ولم يتعمده ، لا يكون فعله .