الجاحظ
112
رسائل الجاحظ
[ . . . ] وليس على المخبر عن خصمه والواصف مذهب غيره أن يجعل باطلهم حقا وفاسدهم صحيحا ، ولكن عليه أن يقول بقدر ما تحتمله النحلة وتتسع له المقالة ، وعليه أن لا يحكي عن خصمه ويخبر عن مخالفه إلا وأدنى منازله أن لا يعجز عما بلغوه ولا يعيا عما أدركوه . [ 5 - رأي النظام ] [ . . . ] وقد زعم آخرون أن المعارف ثمانية أجناس ، واحد منها اختيار وسبعة منها اضطرار ، فخمسة منها درك الحواس الخمس ، ثم المعرفة بصدق الاخبار كالعلم بالقرى والأمصار والسير والآثار ، ثم معرفة الإنسان إذا خاطبه صاحبه أنه موجه بكلامه إليه وقاصد به نحوه ، وأما الاختيار فكالعلم باللّه ورسله وتأويل كتابه والمستنبط من علم الفتيا وأحكامه وكل ما كان فيه الاختلاف والمنازعة وكان سبيل علمه بالنظر والفكرة . ورئيس هؤلاء أبو إسحاق . [ 6 - رأي معمر ] وزعم معمر أن العلم عشرة أجناس ، خمسة منها درك الحواس ، والعلم السادس كالسير الماضية والبلدان النائية ، والسابع علمك بقصد المخاطب إليك وإرادته إياك عند المحاورة والمنازعة ، وقبل ذلك وجود الإنسان لنفسه ، وكان يجعله أول العلوم ويقدمه على درك الحواس وكان يقول : « ينبغي أن يقدم وجود الانسان لنفسه على وجوده لغيره » وكان يجعله علما خارجا من درك الحواس لأن الإنسان لو كان أعمى لأحسّ نفسه ولم يحس [ صورته ] ولو كان أصم لأحس نفسه ولم يحس صوته ولو كان أخشم لأحس نفسه ولم يحس رائحته ، وكذلك سبيل المذاقات والملامس ، فلما كان المعنى كذلك وجب أن يفرد من درك الحواس ويجعل علما ثامنا