الجاحظ

110

رسائل الجاحظ

الخلق . [ 2 - جميع العلوم من فعل الانسان وكسبه ] قالوا : فإذا كان درك الحواس الخمس ، إذا تقدمته الأسباب وأوجبته العلل ، فعل المتقدم فيه والموجب له ، ودرك الحواس أصل المعرفة وهو المستشهد على الغائب والدليل على الخفي ، وبعد صحته تصح المعارف وبعد فساده تفسد ، فالذي تستخرجه الأذهان منه وتستشهد عليه كعلم التوحيد والتعديل والتجوير وغامض التأويل وكل ما أظهرته العقول بالبحث وأدركته النفوس بالفكر من كل علم وصناعة ، كالحساب والهندسة والصباغة والفلاحة ، أجدر أن يكون فعله والمنسوب إلى كسبه . [ 3 - المعرفة الحسية من فعل الانسان وارادته ] قالوا : فالدليل على [ أن ] درك الحواس فعل الإنسان على ما وصفنا واشترط [ نا ] من إيجاب الأسباب وتقدم العلل أن الفاتح بصره لو لم يفتح لم يدرك ، فلما كان البصر قد يوجد مع عدم الادراك ولا يعدم الادراك مع وجود الفتح ، كان ذلك دليلا على أن الإدراك إنما كان لعلة الفتح ولم يكن لعلة البصر ، لأنه لو كان لعلة صحة البصر كانت الصحة لا توجد أبدا إلا والإدراك موجود ، فإذا كانت الصحة قد توجد مع عدم الإدراك ولا يعدم الإدراك مع وجود الفتح ، كان ذلك شاهدا على أنه إنما كان لعلة الفتح دون صحة البصر . وقالوا : ولأن طبيعة البصر قد كانت غير عاملة حتى جعلها الفاتح بالفتح