الجاحظ
10
رسائل الجاحظ
بينما العلم الحقيقي يقوم على الضرورة والطبيعة . ان هؤلاء لم يفهموا علم الكلام على حقيقته وقد بنوا حكمهم على الهوى لا على صحة العقل والعناية بالموضوع . ومنهم أعداء علم الكلام أصحاب الفتيا والاحكام ، لقد اجمع الحكام والرعية على تفضيل المفتي على المتكلم ومحضوه ثقتهم واغدقوا عليه المال ، على الرغم من أن علم الكلام هو الأصل وعلم الفتيا فرع منه والأصل اشرف من الفرع . ثم إن آلة المتكلمين أتم وآدابهم أكمل ونظرهم أثقب وحفظهم أحضر . وفي نهاية الرسالة يذكر الجاحظ معنى المتكلم ، وإن كلمة متكلم تشمل الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئة وأهل المذاهب الشاذة ، ولم يضع الجاحظ أهل السنة والجماعة في عداد الفرق الكلامية ، وربما كان السبب إحجامهم عن الاشتغال بعلم الكلام في عصر الجاحظ . لقد كان الإمام أحمد بن حنبل معاصرا للجاحظ وزعيما لأهل السنة والجماعة وكان موقفه من علم الكلام موقف الرفض والتبديع . ولم يقبلوا على علم الكلام الا مع أبي الحسن الأشعري ( - 935 م ) الذي عاش بعد الجاحظ وكان في اوّل عهده معتزليا ثم انشق عنهم وانحاز إلى أهل السنة والجماعة وتأثر خطاه من بعده أتباعه أمثال الباقلاني ( 1013 م ) والجويني ( 1086 م ) والغزالي ( 1111 م ) . ان موقف أهل السنة والجماعة المعادي لعلم الكلام هو الذي حمل الجاحظ على الدفاع عنه وتبيان فضائله وأهميته في رسالته هذه . ولتكون رسالته أشد أثرا أشار في مطلعها إلى شخص جماعي سني يحبذ علم الكلام ويميل إلى مذهب النظام أحد شيوخ المعتزلة وأستاذ الجاحظ نفسه ويلهج بفوائد هذا العلم وقيمته . ولم يسم الجاحظ هذا الشخص المتكلم الذي خالف أهل جماعته وتبنى موقفا يعتبر ثورة أو انقلابا في داخل الجماعة ، وليته فعل ذلك ، إذا لدلنا على أقدم متكلم سني رائد سبق الأشعري ، ولا زال الشك الذي قد يخالجنا بصحة وجوده .