ابن حزم

84

رسائل ابن حزم الأندلسي

لئن كان تركها تارك لقد أخذ بها من هو فوقه أو مثله ، وما ضر الحديث الصحيح من تركه ، بل تاركه هو المحروم حظ الأخذ به ، فإما مخطئ مأجور في اجتهاده ، وإما عاص لله تعالى في تقليده في ترك السنة . وأما قولهم : وسكت عنها الصحابة والتابعون والعلماء الماضون . فقد كذبوا على الصحابة والتابعين ، وعلى العلماء الماضين ، ونسبوا إليهم الباطل ، وكيف سكتوا عنها وهم رووها ونقلوها وأقاموا بها الحجة على من بعدهم كالذي يلزمهم . وأما قولهم : ومخالفة أحكام قد حكم بها السلف الصالح : ما خالفوا قط حكماً صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وغن كان واحد منهم أو اثنان خالفوا بعض ذلك ، فقد وافقه غير المخالف ممن هو ربما فوق المخالف له أو مثله ، والحجة كلها هي القرآن والسنة لا ترك تارك ولا أخذ آخذ ، والحق حق أخذ به أو ترك ، والباطل باطل أخذ به أو ترك ، وما عدا هذا فهذر وهذيان ، وبالله تعالى التوفيق . وما نعلم أشد خلافاً لما حكم به الصحابة والتابعون [ 178 / أ ] منهم - كم قصة في الموطأ خاصة لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان وغيرهم رضي الله عنهم خالفوها ! ! فمن السلف الصالح إلا هؤلاء لو عقلوا ونعوذ بالله من الخذلان والجبن . 9 - ثم قالوا : " ثم رأوا تصنيفاً وتمثيلاً واشتقاقاً وتعريفاً ونتائج تلزم المرء على سبيل طريق الاحتجاج ، وظاهر القول مما يحكمه البيان ، وينطلق به اللسان وتصوبه اللغة وتقيمه ( 1 ) [ الحجة ] وتصرفه الألحان من الكلام والأفانين من النحو وتحبير المعاني باللفظ وإشعارها بالحس وتنبيهها بالجرس ، فأنكروا ( 2 ) ذلك وفروا عنه ، إذ ( 3 ) لم يكن ذلك طريقة من مضى ولا سنن [ من به ] يقتدى ، فوقع النفار في النفوس ، وجعلوا ذلك كله بدعة وحدوث شرع ، وزيادة وتنميقاً أحدثوه ( 4 ) أصحاب الكلام ، وأهل البدعة " . فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - : إن في هذا الكلام عبرة لمن اعتبر ، فأول ذلك إقرارهم لنا بأنهم رأوا لنا تصنيفاً وتعريفاً ( 5 ) ونتائج تلزم المرء على طريق الاحتجاج

--> ( 1 ) ص : وتفهمه . ( 2 ) ص : أنكروا . ( 3 ) ص : إذا . ( 4 ) أحدثوه : كذا في ص ؛ وله أشباه - ولعله هنا نص قولهم فلم يغيره ابن حزم . ( 5 ) ص : وتفريقاً ولعلها " وتفتيقاً " .