ابن حزم
83
رسائل ابن حزم الأندلسي
ورواية ( 1 ) . وأما أن من كتبنا ما خفي على المحتج لعدم الراوي لها ( 2 ) وقلة استعمالها ، فما خفاء العلم على الحمير حجة على أهل العلم ، ولا قلة طلبهم لرواية السنن دليلاً على عدم الراوي ، بل الرواة ولله الحمد موجودون . فمن ( 3 ) أراد الله تعالى به خيراً وفقه لطلب ما يقرب منه ، ولم يشغله عما يعنيه ما لا يعنيه وما لا يغني عنه من الله شيئاً ؛ وكذلك ليس قلة استعمالهم لتلك الكتب عيباً على الكتب ، إنما ( 4 ) العيب في ذلك على من ضيعها ، وحظ نفسه ضيع لو عقل . وأما ما ذكره من طروئها في بلدهم ، فما بلدهم حجة على أهل العلم ، ولكن هكذا ( 5 ) يكون إزراء السكارى على الأصحاء ، واعتراض أهل النقص على أهل الفضل . والعجب كله قولهم : " علماء بلدنا " ، وهذه والله صفة معدومة في بلدهم جملة ، فما يحسنون ولله الحمد لا رأياً ولا حديثاً ولا علماً [ 177 ب ] من العلوم إلا الشاذ منهم والنادر ممن هو عندهم مغموز ( 6 ) عليه ، " والجاهلون لأهل العلم أعداء " ، ومن جهل شيئاً عاداه ( 7 ) . والعجب أيضاً عيبهم كتب العلم بأنهم لم يسمع ذكرها عندهم ولا سمعوا بها فيما مضى ، فنافروها ولم يقبلوا عليها . إن هذا لعجب ، فإذا نافرت كتب العلم هذه الطبقة المجهولة الجاهلة ، فكان ماذا لقد اذكرني هذا الجنون ما حكاه الأصمعي ( 8 ) ، فإنه ذكر أنه مر بكناسين على حش ، أحدهما يكيل والثاني يستقي ، والأعلى يقول للأسفل : إن المأمون سقط من عيني مذ قتل أخاه ! فما سقوط هذه الكتب عند هؤلاء الجهال إلا كسقوط المأمون من عين الكناس ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . وأما قولهم : إنهم رأوا فيها تغليب أحاديث قد ( 9 ) تركت ، فليت شعري من تركها
--> ( 1 ) ص : رواية . ( 2 ) ص : بها . ( 3 ) ص : لمن . ( 4 ) ص : إما . ( 5 ) ص : هذا . ( 6 ) ص : معموراً . ( 7 ) من جهل شيئاً عاداه ، يظن بعضهم أنه حديث ، قال ابن الديبع : ليس بحديث ، انظر الأخبار الموضوعة : 341 . ( 8 ) ما حكاه الأصمعي إلخ ، انظر في الامتاع 2 : 54 حكاية مشابهة . ( 9 ) ص : فقد .