ابن حزم
82
رسائل ابن حزم الأندلسي
عن هذا ، لأنهم ليسوا من أهل الرواية فيعرفوا قويها ( 1 ) من ضعيفها ، ولا اشتغلوا [ بها ] قط ساعة من الدهر ، وما يعرفون إلا المدونة على تصحيفهم لها ، وما عرفوا قط من الصحابة ، رضي الله عنهم ، رجلاً ، ولا من التابعين عشرة رجال ، ولا يفرقون بيت تابع وصاحب ، سوى من ذكرنا ، فلا حياء يمنعهم من أن يتعرضوا للكلام في الرواية . وأكثر المتكلمين في هذا الباب لا يقيمون الهجاء ، ولا يعرفون ما حديث مسند من حديث مرسل ، ولا ثقة من ضعيف ، ولا حديث النبي صلى الله عليه وسلم من كعب الأحبار ، وما منهم أحد يمزج له حديث موضوع مع صحيح فيميزه ( 2 ) ، ثم يقولون : عار من الشيوخ ، وهم ما كان لهم شيخ قط ، ولا عمروا لمجلس حديث ، ولا اشتغلوا [ 177 / أ ] بتفنيده ( 3 ) ، إنما كان عندهم عبد الملك بن سليمان الخولاني ( 4 ) ، فكان ( 5 ) شيخاً صالحاً لم يكن أيضاً ( 6 ) مكثراً من الرواية ، كان ربما ألم به بعضهم إلمام من لا يدري ما يطلب ، يخرجون من عنده كما دخلوا ، لم يعتدوا قط عنه كلمة ، ولا اهتبلوا بما يروي بلفظة ، إنما يقعدون عنده قعود راحة ، إذا لم يكن عليهم شغل . ثم لم يلبث هؤلاء الخشارة أن نقضوا كذبهم خذلاناً من الله تعالى ، فشهدوا لنا بأنها كتب أتقناها وضبطناها ، منها مروي رويناها عن شيخ أو شيخين ، ومنها كتب مشهورة ثابتة بأيدينا مثل المسانيد المصنفات ، لا يمترون فيها . وهذا ضد ما حكموا من تعرينا من الشيوخ ومن ضعف الرواية ، فهم لا يدرون ما يقولون ولا يبالون بالكذب والفضيحة ( 7 ) ، لكنا والله نصفهم بما هم ( 8 ) أهله من أنهم ماضبطوا قط كلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن صاحب ولا عن تابع ، ولا يحسنون قراءة حديث لو وضع بأيديهم ، ولا يفرقون بين جابر بن عبد الله وجابر بن زيد ولا يفرقون بين رأي
--> ( 1 ) ص : قربها . ( 2 ) ص : فيميزه . ( 3 ) ص : بتنفيذه ؛ وقد تقرأ " بنقده " . ( 4 ) عبد الملك بن سليمان الخولاني أبو مروان : محدث سمع بالأندلس ، وأفريقية ، ومصر ، ومكة . قال الحميدي : وسمعنا بالأندلس منه الكثير ؛ ( قلت : وربما خالف هذا ما يقوله ابن حزم ) توفي بميورقة قبل 440 ه ( الجذوة : 266 وعنه الصلة : 343 ) . ( 5 ) ص : فكانا . ( 6 ) ص : أيضاً له . ( 7 ) الأصوب : والعضيهة . ( 8 ) ص : هو .