ابن حزم

44

رسائل ابن حزم الأندلسي

يقوم به أحد ، وكل ذلك من عند الله تعالى جملة ، فأحد الوجهين ( 1 ) وهو : الحسنات فضل من الله تعالى مجرد لم يستحقه أحد على الله تعالى إلا حتى يفضل به عز وجل من أحسن إليه من عباده ، والوجه الثاني وهو السيئات تأديب من الله تعالى أوجبه على المصاب بها تقصيره عما يلزمه من واجبات ربه تعالى . 5 - ولا يستوحشن ( 2 ) مستوحش فيقول : كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم المخاطب بهذا الخطاب مقصراً في أداء واجب ربه تعالى فليعلم أن التقصير ليس يكون معصية في كل وقت ، وإنما يكون النبي عليه السلام منزهاً عن تعمد المعصية صغيرها وكبيرها . وأما تأدية شكر الله تعالى وجميع حقوقه على عباده فهذا ما لا يستوفيه ملك ولا نبي فكيف من دونهما ، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أحدكم لا يدخل الجنة بعمله " فقيل له : ولا أنت يا رسول الله فقال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " ( 3 ) ، أو كما قال عليه السلام . 6 - فإنما أنكر الله تعالى على الكفار في الآية المتلوة آنفاً قولهم للنبي عليه السلام : عن ما أصابهم من سيئة فهي منك يا محمد ، وأخبر عز وجل أنها من عند أنفسهم ، وأن كل ذلك من عند الله تعالى ؛ فلم يفرق المجنون بين ما أوجبه الله تعالى من أن كل من أصابته سيئة فمن نفسه ، وبين ما ذكر الله تعالى من قول الكفار لمحمد صلى الله عليه وسلم : إن ما أصابهم من سيئة فمنك يا محمد . فأي ظلم يكون أعظم من ظلم من جهل أن يفرق بين معنيي هذين اللفظين 7 - وإنما كان الكفار يتطيرون بمحمد صلى الله عليه وسلم عندما يرد عليهم من نكبة تعرض لهم ( 4 ) بكفرهم وخلافهم له عليه [ 149 ب ] السلام ، كما تطير إخوانهم قبلهم بموسى صلى الله عليه وسلم إذ قال تعالى حاكياً عنهم قولهم : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله } ( الأعراف : 131 ) . وما أرى هذا الزنديق الأنوك إذ ( 5 ) اعترض بهذا

--> ( 1 ) ص : إلا لو أحد الوجهين . ( 2 ) ص : يستوحش . ( 3 ) ورد الحديث في البخاري ( رقاق : 18 ) ومسلم ( منافقون : 71 - 73 ) وابن ماجة ( زهد : 20 ) وفي مواضع كثيرة من مسند أحمد ، انظر مثلاً 2 : 235 ، 256 ، 264 ، 319 ( 4 ) ص : تعرضهم . ( 5 ) ص : إذا .