ابن حزم

45

رسائل ابن حزم الأندلسي

الاعتراض كان إلا سكران الخمر ، وسكر عجب الصغير إذا كبر ، والخسيس إذا أشر ، والذليل الجائع إذا عز وشبع ، والسفلي إذا أمر وشط ، والكلب إذا دلل ونشط ، فإن لهذه المعاني مسالك خفية ( 1 ) في إفساد الأخلاق التي تقرب من الاعتدال . وكيف بخلق سوء متكرر في الخساسة والهجنة والرذالة والنذالة واللعنة والمهانة ولله در القائل ( 2 ) : [ إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ] . . . وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع الندى في موضع السيف بالعلا . . . مضر كوضع السيف في موضع الندى وهذا الذي قلنا هو المفهوم من نص الآية دون تزيد ولا انتقاص ولا تبديل لفظ ، والحمد لله رب العالمين كثيراً . 8 - ولكن لو تذكر هذا المائق الجاهل ما يقرأونه في كفرهم البدل وإفكهم المحرف بأخرق تحريف وأنتن معان - حاشا ما خذلهم الله تعالى في تركه على وجهه ليبدي فضائحهم ، فأبقوه تخبيثاً من الله تعالى لهم ليكون حجة عليهم ، من ذكر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم - في كتابهم الذي يسمونه : " التوراة " إذ يقولون فيه في السفر الرابع عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال مخاطبا لله عز وجل ( 3 ) : " يا رب كما حلفت قائلاً : الرب وديع ذو حن عظيم بعفو عن الذنب والسيئة وليس ينسى شيئاً من المآثم ، الذي يعاقب بذنب الوالد الولد في الدرجة الثانية والرابعة " . ويقرأون فيه أيضاً في أول السفر الأول ( 4 ) : " إن قاين ابن آدم عاقبه الله في السابع من ولده " ثم يقرأون في الكتاب المذكور نفسه في السفر [ 150 و ] الخامس منه : " إن الله تبارك وتعالى قال لموسى : لا تقتل الآباء لأجل الأبناء ، ولا الأبناء لأجل الآباء ، ألا كل واحد يقتل بذنبه " - فلو تفكر هذا الجاهل المائق وعظيم التناقض لشغله عظيم مصابه عن أن يظن بقول الله تعالى الذي هو الحق الواضح الواحد غير المختلف : { قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً * ما أصابك من حسنة

--> ( 1 ) ص : خفيفة . ( 2 ) هو المتنبي ، والبيتان في ديوانه : 361 . ( 3 ) عدد 14 : 17 - 18 " فالآن لتعظم قدرة سيدي كما تكلمت قائلاً الرب طويل الروح كثير الإحسان يغفر الذنب والسيئة لكنه لا يبرئ بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع " . ( 4 ) ان قاين ولد آدم الخ : ليس هذا كذلك في ( ع ) التكوين 4 : 23 وفيه : لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه . وقد أخبرني الدكتور عبد المجيد بأن النص العبري يعني سبعة أضعاف حيثما ورد في أسفار العهد القديم .