ابن حزم
28
رسائل ابن حزم الأندلسي
من هذا المنهج ، وكذلك رسائل أخرى من مثل رسالته في القراءات وأسماء الصحابة الرواة وأصحاب الفتيا من الصحابة ( 1 ) . وإذا كانت هذه الرسائل تخدم الناحية التعليمية في الغاية إذ تقرب المادة وتوجزها ، فهي من حيث المنهج تخضع للاتجاه العقلاني لدى ابن حزم الذي يستطيع أن يستخدم هذه الإحصاءات استخداماً رياضياً برهانياً في ما يعالجه من قضايا عند الحاجة إليها . من ذلك مثلاً موقفه ممن قال إن المسلمين لم يبايعوا علياً بعد وفاة الرسول لأنه كان قد قتل عدداً من رجالات قريش ، فانحرف الناس عنه ، ويرد ابن حزم بأن هذا تمويه ضعيف لأن الإحصاء يفنده ، فالذين قتلهم عليّ : 1 - رجل واحد من بني عامر بن لؤي هو عمرو بن ود . 2 - رجال من بني مخزوم وبني عبد الدار ( لم يذكر ابن حزم عددهم ) . 3 - اثنان من بني عبد شمس هما الوليد بن عتبة والعاص بن سهل بن العاص ( وقد شارك في قتل ثالث ) . هذا كل ما هنالك ، ولم يقتل من بني تميم ( قبيلة أبي بكر ) ولا من بني عدي ( قبيلة عمر ) أحداً ، وهما قد استبعداه من الخلافة ، ولم يقتل من الأنصار أحداً ( فلم يسرعوا إلى بيعته إن كان النص قد جاء بها ) ولم يقتل أحداً من ربيعة ومضر واليمن وقضاعة ( فلم لم تبايعه هذه القبائل وبايعت أبا بكر ) ( 2 ) ، وهكذا يحاول ابن حزم - على قاعدة إحصائية - أن يدفع قول من قال : إن القرشيين كانوا منحرفين عن عليّ لأنه قتل عدداً من رجالهم في حروبه مع النبي ؛ ولست أقول أن هذا الجدال القائم على الإحصاءات دامغ لا ينقض ، بل إن ابن حزم يعرف ذلك ، فيورد حججاً أخرى تؤيد البرهان الإحصائي وتعضده ، ولكنه قلما يستغني عن " لغة الأرقام " لأنها رصيد ضروري مسعف عند الحاجة إليه ، وإذا كان ذلك الرصيد قد يبرز بعض العجائب والنوادر في مجرى التاريخ الإنساني ، فذلك في ذاته لا يمثل إلا جانباً واحداً من فوائد الإحصاء بين جوانب أخرى متعددة . وفي أسلوب ابن حزم خاصيتان تلقيان ظلالاً من الشكّ على دور المؤرخ لديه : إحداهما هي القطع والحسم البات بمثل " لا بد " و " لا شك " فهذه إذا لم يكن لها ما يسوغها تمس جانب الدقة في المؤرخ ، والثانية هي الحدة في الخطاب وهي تمس جانب
--> ( 1 ) انظرها ملحقة بجوامع السيرة : 269 - 335 . ( 2 ) الفصل 4 : 99 .