ابن حزم

29

رسائل ابن حزم الأندلسي

الإنصاف في المؤرخ ، وخاصة حين تتطابق لديه شخصية المؤرخ مع شخصية المتكلم الجدل . وكلتا الصفتين لا يمكن نفيها عنه أو الإقلال من تأثيرها في نفس من يدرس دور المؤرخ لديه ، ولكن مزيداً من التعرف إلى شخصيته في إخلاصه وصدقه وصراحته واعتداده بذكائه واطلاعه يجعل قبول هاتين الخاصيتين أمراً ممكناً ؛ فالحسم البات لا يكون إلا من ثقة لا يشوبها غرور كي يجد قبولاً ، والحدة قد تكون ذات علاقة بوضع نفسي أو تعويضاً عن فقدان شيء ما ( 1 ) ، وحين تخرج إلى السب والتندر والدعاء على الخصم بالويل والثبور تتجاوز مرحلة القبول الموضعي ، وإن تكن متصلة بطرائق المناظرة والجدال يومئذ . ترى لو لم يتطابق المؤرخ والمناظر في ابن حزم هل كانت هذه الحدة تجيء أقل سطوعاً أعتقد أن الجواب بالنفي ، فهي حدة لم يستطع التخلي عنها من ساهم الدكتور محمود مكي " جيل الفتنة البربرية " من أمثال ابن حزم وابن حيان وابن شهيد ، كما لم يستطيعوا أن يتخلوا عن السخرية ؛ كانوا نتاج فترة " إحباط " نفسي ، عبر عنه كل واحد مهم بطريقته ، وإذا كان ابن حزم يصك معارضه برأيه صك الجندل ( 2 ) - فيما يقول ابن حيان - فليس ابن حيان فيما يصوره من شخصيات وأوضاع بأقل عنفاً - إن اختلف نوع العنف - وليس ابن شهيد صاحب التوابع والزوابع ورسائل أخرى بأقل سخرية منهما . نظرة في الرسائل المدرجة في هذا الجزء - 1 - نقط العروس في تواريخ الخلفاء ( 3 ) سمَّاها ابن حيان " نقط العروس في نوادر الأخبار " ( 4 ) وذلك عنوان أدلُّ على

--> ( 1 ) انظر حديثاً عن حدة ابن حزم في الجزء الأول من الرسائل ( 1980 ) : 76 . ( 2 ) الذخيرة 1 / 1 : 168 . ( 3 ) نقط ( بفتح النون وسكين القاف ) مصدر نَقَط ، وعلى هذا يكون معي العنوان " تنقيط العروس " أي تحسينها بالنقط ؛ وورد في الأغاني ( 17 : 318 ) إنما شعر ذي الرمة نُقَطُ عروس تضمحل عما قليل وهذه الصيغة جمع نقطة ؛ وانظر الميداني 2 : 198 حيث كتبت " نَقْطُ " هنالك ، وبهذه الصيغة وردت الترجمة ( Naqt ) واستشهد الجرجاني في الكتابات بما قيل في شعر ذي الرمة ثم قال : ونقط العروس إذا غسلته ذهب ( كنايات : 117 ) . ( 4 ) المقتبس 5 : 37 ، 132 .