ابن حزم
23
رسائل ابن حزم الأندلسي
المرء أن يجمع أحكام ابن حزم في أفراد بأعيانهم من أمويي المشرق والمغرب ليدرك أنه كان أبعد من أن يوصف بالتعصب ، ولكنه كان يرى للدولة الأموية في الأندلس دورها الكبير ويقارن بين ما كانت عليه الأمور في عهدها وما صارت إليه في عهد ملوك الطوائف ، فلا يستطيع منطق وحدة الجماعة عنده أن يقبل ذلك التفكك والتناحر ، ولا يستطيع منطق السيادة كما كانت تمثله الدولة الأموية أن يتقبل منطق العبودية الذي كانت تمارسه دول الطوائف . وليس بمستغرب بعد هذا أن يعترف بصحة إمامة الأمويين في المشرق والمغرب . وأما انحرافه عمن سواهم من قريش فإنه كلام غير دقيق ، وحسبك أنه يؤمن بخلافة ابن الزبير ولا يؤمن بخلافة مروان ، وأنه لا ينكر دور بني العباس في الخلافة وما كان لهم من مآثر . ولم يكن في الأندلس من القرشيين - عدا الأمويين - إلا بنو حمود ، وهؤلاء لديه كسائر ملوك الطوائف من غير قريش . وتظل مقولة ابن حيان حول تشيعه في بني أمية صحيحة - على أن تكون بارئة من العصبية - ومثل هذا الموقف زاد في بغض الحكام المعاصرين له من ملوك الطوائف ، وهذا أيضاً صحيح ، لأنهم كانوا يبغضونه لصراحته في الحق وإنحائه على تصرفاتهم بالملامة ، فإذا عرفوا فيه حبه لبني أمية زاد ذلك في شنآنهم له . وهذا الحب للأمويين لم يكن سراً خافياً بل لعله اتصل بالواقع العملي ، ولكن المتصدين وجدوا طريقهم للإيقاع بابن حزم عن طريق ذلك الحب ، يقول هو في هذا الصدد : " وفي أثر ذلك ( أي بيعة علي بن حمود ) نكبني خيران صاحب المرية ، إذ نقل إليه من لم يتق الله عز وجل من الباغين - وقد انتقم الله منهم - عني وعن محمد بن إسحاق صاحبي أنا نسعى في القيام بدعوة الدولة الأموية ، فاعتقلنا عند نفسه أشهراً ثم أخرجنا على جهة التغريب فصرنا إلى حصن القصر " ( 1 ) . والشيء الذي أود أن أتوقف عنده في هذا المقام هو أن ابن حزم صادق حين ينفي عن نفسه السعي في القيام بدعوة الأموية ، ولكن الباغين كانوا يعرفون فيه حبه للدولة الأموية ويكيدون له من ذلك المدخل ، ويلصقون به تهمة يسهل تصديقها . وقد كان هو - وإن لم يسع بنفسه لعودة الأموية - يحب عودتها ، ويمني النفس بذلك عند ظهور المرتضى ( 407 ه - ) ، فقد غادر المرية إلى بلنسية عند ظهور المرتضى بها ( 2 ) ، وأكبر الظن أنه فعل ذلك لأنه كان يؤمل عودة الخلافة ، فلما عادت على وجه اليقين بمبايعة المعتد ( 417 ) أصبح
--> ( 1 ) طوق الحمامة في الجزء الأول من رسائله ( 1980 ) : 261 . ( 2 ) المصدر السابق : 262 .