ابن حزم

24

رسائل ابن حزم الأندلسي

ابن حزم أحد وزرائه . ولا يمثل ابن حزم خروجاً على جمهرة المشاعر الأندلسية في نزعته الأموية ، ولكنه كان أحد ألسنتها المعبرة عن " الأكثرية الصامتة " ، وموقف ابن حزم ونظرائه ممن شهدوا فترة التحول في مقدرات الأمور وذهبت أفكارهم وأخيلتهم تقيم المقارنات بين ما كان وما صار موقف طبيعي ، يحسه من لا تسمح لهم ظروف التحولات الحاسمة بسوى الموازنة والمقارنة ، حتى ليبدوا هذا الجنوح إلى الموازنة والمقارنة عاملاً معطلاً في الانتفاع والاستمتاع بمرافق الحاضر الراهن ، وقد صور ابن حزم ذلك في صرخة ذاتية أطلقها حين قال : " وإن حنيني إلى كل عهد تقدم ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء . . . . وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء ودفين الأسى بين أهل الدنيا " ( 1 ) . وحين احتجبت الأموية ولم يبق منها إلا الحنين الواله إلى عهودها شحذت إلى درجة الإرهاف مشاعر الحبِّ للأندلس ؛ وهو حب يتجلى لدى ابن حزم في إبرازه للفكر الأندلسي ودفاعه عن مآثر بلده ، ويتجلى بقوة في رسالته في فضل الأندلس . لا أقول إن تلك عصبية ، بل أقول إنها شعبة عميقة من حب الوطن ، حين تلوح في الأفق علامات إشرافه على الضياع ، وقد كانت العلامة المنبئة بضياعه هي احتجاب الأموية وانفراط عقد الجماعة . وقد نقع في تلك الرسالة - إلى جانب الإحصاءات السريعة للمنجزات الفكرية الأندلسية - على عبارات مثل : " ونحن إذا ذكرنا ابا الأجرب جعونة بن الصمة الكلابي في الشعر لم نباه به إلا جريراً والفرزدق لكونه في عصرهما ، ولو أنصف لاستشهد بشعره ، فهو جار على مذهب الأوائل لا على طريقة المحدثين " ( 2 ) ومثل قوله : " ولو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج القسطلي لما تأخر عن شأو بشار بن برد وحبيب والمتنبي . . . . . " ( 3 ) فهذه الأحكام وأمثالها يجب ألا تحملنا على نسبة العصبية لابن حزم ، فإنما هي أحكام نقدية تقود على التذوق ويتفاوت فيها الناس ؛ وإذا تجاوزنا الأحكام النقدية وجدنا ابن حزم يتحدث عن مآثر بلده دون تزيد ، ودون لجوء إلى التعميم . استمع إليه وهو يقول : " وأما العدد والهندسة فلم يقسم لنا في هذا العلم نفاذ ولا تحققنا به ، فلسنا نثق بأنفسنا في تمييز المحسن من

--> ( 1 ) طوق الحمامة في الجزء الأول من الرسائل ( 1980 ) : 125 . ( 2 ) رسالة في فضل الأندلس ، ف : 21 . ص : 187 . ( 3 ) المصدر نفسه .