ابن حزم

22

رسائل ابن حزم الأندلسي

إلى أن تغلب عليهم بنو العباس بالمشرق ، وانقطع بهم ملكهم ، فسار منهم عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس ، وملكها هو وبنوه ، وقامت به دولة بني أمية نحو الثلاثمائة سنة ، فلم يك في دول الإسلام أنبل منها ، ولا أكثر نصراً على أهل الشرك ، ولا أجمع لخلال الخير ، وبهدمها انهدمت الأندلس إلى الآن ، وذهب بهاء الدنيا بذهابها . وانتقل الأمر بالمشرق إلى بني العباس . . . وكانت دولتهم أعجمية ، سقطت فيها دواوين العرب ، وغلب عجم خراسان على الأمر ، وعاد الأمر ملكاً عضوضاً محققاً كسروياً . . . . " ( 1 ) . وفي مثل هذا الحكم على الدول يتضح " الجانب التركيبي " في نظرات ابن حزم ، بحيث يستطيع المرء أن يحل هذه المركبات في بحوث مفردة ، وتبدو في ذلك مهارة ابن حزم في انتقاء السمات المميزة ، مثلما يبدو جانب هام آخر من حس المؤرخ لديه ، وذلك أنه لا ينظر إلى منجزات الدولة الواحدةنظرته إلى بعض الأفراد من ذوي المسؤولية فيها ، وإنما يرى هذه المنجزات من منظار المميزات الكبرى ، وتلك تتجلى في ما أصاب الجماعة من خير ، فقد يعيب هو الوليد بن عبد الملك ويصفه بالطغيان ( 2 ) أو يعيب مروان بن الحكم ويتهمه بأنه شق عصا الجماعة ويقول فيه : " مروان ما نعلم له جرحة قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما " ( 3 ) ولكنه يبرز الخصائص الإيجابية التي تتميز بها الدولة الأموية بكلمات دقيقة دالة ، ولا يضع سيئات الأفراد على كاهل الدولة كلها . ومع ذلك نجد ابن حيان يقول فيه : " وكان مما يزيد في شنآنه تشيعه لأمراء بني أمية ماضيهم وباقيهم بالمشرق والأندلس ، واعتقاده لصحة إمامتهم ، وانحرافه عمن سواهم من قريش حتى نسب إلى النصب لغيرهم " ( 4 ) . وهذه المقولة تستحق نقاشاً متأنياً ، وأول ما يجب أن نقف عنده لفظة " تشيعه " ، فهذه اللفظة تدلُّ على الموالاة والمحبة والتقدير ، دون أن يدخل فيها معنى العصبية التي قد تؤسس أحياناً على غير حق وتصبح تعصباً ؛ وهذا " التشيع " يتفق وما قلناه عن تقديره لدور الدولة جملة ، ولكنه لا يعني إغماض الطرف عن سيئاتها وعن سيئات القائمين على أمورها ؛ ويكفي

--> ( 1 ) البيان المغرب 2 : 39 - 40 . ( 2 ) نقط العروس ، الفقرة ( ف ) : 22 ، ص : 71 . ( 3 ) مقدمة جوامع السيرة : 12 - 13 نقلاً عن المحلى 1 : 236 . ( 4 ) الذخيرة 1 / 1 : 169 .