ابن حزم
21
رسائل ابن حزم الأندلسي
آخر من هذا المنهج ، إذ جنح إلى التركيب لا إلى التحليل ، في الحكم على الأشخاص والعهود ، وهو في هذا يتفق وابن حيان في الإدانة أو ما يسميه ابن بسام تسجيل المثالب ( 1 ) ، ولكنهما يختلفان في الطريقة ، إذ ما يزال ابن حيان مولعاً بالتحليل مستقصياً فيما يقول ، بينما يذهب ابن حزم إلى الإجمال . وقد نجد نماذج من ذلك في جميع الرسائل التي جمعت معاً في هذا الجزء ، ولهذا يكفي في مقام الاستشهاد أن أورد أمثلة قليلة . فمن أحكامه على الأشخاص قوله في الحكم الربضي : " وهو الذي أوقع بأهل الربض ، وقتل الفقهاء والخيار وخصى عدداً من ذوي الجمال من أهل قرطبة . . . وهدم الديار والمساجد وولى ذلك رجلاً نصرانياً كان أثيراً عنده اسمه ربيع " ( 2 ) . وذكر الأمير عبد الله بن محمد فقال : " كان قتّالاً تهون عليه الدماء ، مع ما كان يظهره من عفته ، فإنه احتال على أخيه المنذر لما قصده بالعسكر ، وواطأ عليه حجاماً سم المبضع الذي فصده به ، ثم قتل ولديه معاً بالسيف واحداً بعد واحد وقتل أخاه القاسم ثالثهم ، إلى من قتل من غيرهم " . ( 3 ) ويقول في سليمان بن الحكم المتلقب بالمستعين : " وهو الذي كان شؤم الأندلس وشؤم قومه ، وهو الذي سلط جنده من البرابرة فأخلوا مدينة الزهراء وجمهور قرطبة حاشا المدينة وطرفاً من الجانب الشرقي ، وأخلوا ما حوالي قرطبة من القرى والمنازل والمدن وأفنوا أهلها بالقتل والسبي وهو لا ينكر ولا يغير عليهم شيئاً " ( 4 ) إلى أمثلة أخرى كثيرة لا مجال لاستقصائها . ومن أحكامه على العهود والدول قوله الجامع في وصف الدولتين الأموية والعباسية : " وانقطعت دولة بني أمية ، وكانت دولة عربية لم يتخذوا قاعدة ، إنما كان سكنى كل امرئ منهم في داره وضيعته التي كانت له قبل الخلافة ، ولا أكثروا احتجان الأموال ولا بناء القصور ، ولا استعملوا مع المسلمين أن يخاطبوهم بالتمويل ولا التسويد ويكاتبوهم بالعبودية والملك ، ولا تقبيل الأرض ولا رجل ولا يد ، وإنما كان غرضهم الطاعة الصحيحة من التولية . . . . فلم يملك أحد من ملوك الدنيا ما ملكوه من الأرض ،
--> ( 1 ) هذا لا يعني أن ابن حزم أو ابن حيان لم يكن يسجل إلا المثالب ، ولكن ابن بسام حين جمع هذه المثالب في نطاق وهو يترجم لابن حيان أعطاها بروزاً صارخاً لا يقف إلى جانبه شيء آخر . ( 2 ) الجمهرة : 95 - 96 . ( 3 ) أعمال الأعلام ( بروفنسال ) : 26 . ( 4 ) الجمهرة : 102 .