ابن حزم

203

رسائل ابن حزم الأندلسي

التخلف وله في ذلك أخبار يقبح ذكرها ، وكان متغلباً عليه طول مدته لا ينفذ له أمر ، ولا عقب له . ولاية هشام بن محمد المعتد ولما قطعت دعوة يحيى بن علي الحسني من قرطبة سنة سبع عشرة كما ذكرنا ، أجمع رأي أهل قرطبة على رد الأمر إلى بني أمية ، وكان عميدهم في ذلك الوزير أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور بن عبيد الله بن محمد بن الغمر بن يحيى بن عبد الغفار بن أبي عبدة ، وقد كان ذهب كل من كان ينافس في الرياسة ويخب في الفتنة بقرطبة ، فراسل جمهور ومن معه من أهل الثغور والمتغلبين هنالك على الأمور ، وداخلهم في هذا ، فاتفقوا بعد مدة طويلة على تقديم أبي بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر وهو أخو المرتضى المذكور ؛ قيل : كان مقيماً بالبونت عند أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن قاسم ( 1 ) المتغلب بها ، فبايعوه في شهر ربيع الأول سنة ثمان عشرة وأربعمائة ، وتلقب بالمعتد بالله ، وكان مولده سنة أربع وستين وثلاثمائة ، وكان أسن من أخيه المرتضى بأربعة أعوام ؛ وأمه أم ولد اسمها عاتب ، فبقي متردداً في الثغور ثلاثة أعوام غير شهرين ، ودارت هنالك فتن كثيرة ، واضطراب شديد بين الرؤساء بها إلى اتفق أمرهم على أن يصير إلى قرطبة قصبة الملك ، فصار ودخلها يوم منى ثامن ذي الحجة سنة عشرين وأربعمائة ، ولم يبق إلا يسيراً حتى قامت عليه فرقةٌ من الجند فخلع ، وجرت أمور يكثر شرحها ، وانقطعت الدعوة الأموية من يومئذ فيها ، واستولى على قرطبة جهور بن محمد المذكور آنفاً ، وكان من وزراء الدولة العامرية ، قديم الرياسة ، موصوفاً بالدهاء والعقل ، لم يدخل في أمور الفتن قبل ذلك ، وكان يتصاون عنها . فلما خلا له الجو وأمكنته الفرصة وثب عليها فتولى أمرها واستضلع بحمايتها ، ولم ينتقل إلى رُتبة الإمارة ظاهراً ، بل دبرها تدبيراً لم يسبق إليه ، وجعل نفسه ممسكاً للموضع إلى أن يجيء مستحق يتفق عليه ، فيسلم إليه . ورتب البوابين والحشم على أبواب تلك القصور على ما كانت عليه أيام الدولة ، ولم يتحول عن داره إليها ، وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك ، وهو المشرف عليه ، وصير أهل الأسواق جنداً ، وجعل أرزاقهم

--> ( 1 ) هو يمن الدولة الفهري الذي نزل عليه ابن حزم بالبونت ، وكتب له رسالة في فضل الأندلس ؛ انظر الفقرة الثانية من الرسالة المذكورة .