ابن حزم

20

رسائل ابن حزم الأندلسي

سباع ، ويزينون لأهل الشر شرهم ( 1 ) . وقال ابن حيان يصف وحدة الحال بين الفريقين : " ولم تزل آفة الناس مذ خلقوا في صنفين منهم ، هم كالملح فيهم ، الأمراء والفقهاء ، قلما تتنافر أشكالهم ، بصلاحهم يصلحون ، وبفسادهم يردون ، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا هذين ، بما لا كفاية له ولا مخلص منه ، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن نهج الطريق . . . والفقهاء أئمتهم صموت عنهم ، صدوف عما أكد الله عليهم في التبيين لهم ، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم ، خائض في أهوائهم ، وبين مستشعر مخافتهم آخذ بالتقية في صدقهم ، وأولئك هم الأقلون فيهم ، فما القول في أرض فسد ملحها الذي هو المصلح لجميع أغذيتها ! " ( 2 ) . ومواطن اللقاء بين الرجلين متعددة ، ولكن لا تلبث أن تفترق بهما الطريق ، فأما ابن حيان فقد وسع من جنبات التاريخ ليصبح شاهداً لا على عصره وحده ، بل على تاريخ الأندلس كله ، معتمداً التفصيلات التي لا يكاد يضيع منها شيء ( 3 ) ، شاملاً بنظره جميع مظاهر الحياة الإنسانية ، واقفاً في الوقت نفسه موقف الإدانة لعصره - كما فعل ابن حزم - إلا أنها إدانة شمولية موثقة بشواهدها . وأما ابن حزم فضاق نطاق التاريخ عنده - على معرفته الدقيقة بدقائقه وتفصيلاته - ( وأكبر شاهد على ذلك نقط العروس ) ، ولذلك اكتفى بأن يستخدمه في غايات محددة لا يعدوها : منها الغاية التعليمية التي جعلته يتوفر على تلخيص ما لا بد للدارس من معرفته ، فلخص السيرة والفتوح الإسلامية وأسماء الخلفاء في المشرق والمغرب ومدد حكم كل منهم ، ولخص أنساب العرب والبربر في موجز جامع ؛ ومنها الاستدلال بالتاريخ على القضايا المتصلة بالأديان وتواريخها ، ولهذا لخص تاريخ اليهود - لا من أجل التاريخ نفسه ، بل من أجل أن يثبت عدم التزام اليهود بالتوراة في أكثر العهود ؛ ومنها إثارة النظر الإنساني إلى العجائب والنوادر ، ولهذا ذهب يجزئ التاريخ في قضايا صغيرة مثيرة ، فكتب " نقط العروس " ؛ ولعله لم يخرج في تأريخه لغزوات المنصور بن أبي عامر عن روح الإيجاز التي سيطرت عليه في كتاباته التاريخية الأخرى . وقد أثر فيه نهج المحدثين في الجرح والتعديل ، فجعل أحكامه التاريخية نموذجاً

--> ( 1 ) المصدر السابق : 174 . ( 2 ) الذخيرة 1 / 3 : 180 - 181 . ( 3 ) انظر مقدمة الدكتور مكي علي المقتبس ( ط . مصر ) ص : 87 وبخاصة : 98 حيث يتحدث عن اللقاء في النظرة إلى الفتنة بين ابن حزم وابن حيان .