ابن حزم

19

رسائل ابن حزم الأندلسي

اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم ، وبجمع أموال ربما كانت سبباً إلى انقراض أعمارهم وعوناً لأعدائهم عليهم عن حياطة ملتهم التي بها عزوا في هاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم . . . " ( 1 ) ويقول في موضع آخر : " وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب . وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه أولها عن آخرها محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد ، والذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية . . . وإباحتهم لجندهم قطع الطريق . . . ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين ، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام ، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله ، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيمهم . . . . ( 2 ) ثم يقول : " والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها ، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم . . . . وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس ، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه " ( 3 ) . ومن كان يحمل هذه النظرة ، فإنه لا يرى في اللجوء إلى التاريخ " منقذاً " لنفسه ولغيره ، بل هو يرى فيه تخليداً لأعمالٍ ظالمة لا يقرها ، ولا تضيف شيئاً كثيراً إلى العبرة المستمدة من سير الظالمين على مدى العصور . وليس من الغلو في الاستنتاج أن يقال إن اختيار ابن حزم للظاهر ، إنما كان ثورة في الأساس على ما لا يرضاه من سلوك العلماء الذين يتقربون من الحكام ؛ وليس معنى ذلك أن جميع العلماء - وخاصة المالكية - كانوا يفعلون ذلك ، بل كان فيهم الصالحون الذين يشاركون ابن حزم في ثورته على الظلم ومبارحة الشريعة ، ولكن اختياره للظاهر ، يجعل أولئك الحكام في غير حاجة إليه ، فيبعده عنهم ويبعدهم عنه ، ويمكنه من الاستقلال العلمي والاقتصار على تخريج الطلبة ، وهكذا اتخذ من التمذهب للظاهر حجاباً يحول بينه وبين تقديم الفتاوى لهم أو المشاركة في تسويغ أفعالهم ؛ وقد لحظ هو وابن حيان معاً ظاهرة التعاون بين بعض رجال الدين والحكام فسمى هو مثل أولئك العلماء فساقاً ينتسبون إلى الفقه ، ويلبسون جلود ضأن على قلوب

--> ( 1 ) الرد على ابن النغريلة : 47 . ( 2 ) الرد على ابن النغريلة : 173 - 174 . ( 3 ) المصدر السابق : 177 .