ابن حزم
176
رسائل ابن حزم الأندلسي
في من قصصنا . فمن هاجر إلينا من سائر البلاد ، فنحن أحقُّ به ، وهو منا بحكم جميع أولي الأمر منا ، الذين إجماعهم فرض اتباعه ، وخلافه محرم اقترافه ، ومن هاجر منا إلى غيرنا فلا حظٌ لنا فيه ، والمكان الذي اختاره أسعد به ، فكما لا ندع إسماعيل بن القاسم ( 1 ) ، فكذلك لا ننازع في محمد بن هانئ سوانا ، والعدل أولى ما حُرص عليه ، والنصف أفضل ما دُعي إليه ، بعد التفصيل الذي ليس هذا موضعه ، وعلى ما ذكرنا من الإنصاف تراضى الكل . 7 - وهذه بغداد حاضرة الدنيا ، ومعدن كل فضيلة ، والمحلة التي سبق أهلها إلى حمل ألوية المعارف ، والتدقيق في تصريف العلوم ، ورقة الأخلاق والنباهة والذكاء وحدة الأفكار ونفاذ الخواطر ، وهذه البصرة وهي عين المعمور في كل ما ذكرنا : وما أعلم في أخبار بغداد تأليفاً غير كتاب أحمد بن أبي طاهر ( 2 ) . وأما سائر التواريخ التي ألفها أهلها ، فلم يخصوا بلدتهم بها دون سائر البلاد ، ولا أعلم في أخبار البصرة غير كتاب عمر بن شبة ( 3 ) ، وكتاب لرجل من ولد الربيع بن زياد المنسوب إلى أبي سفيان ، في خطط البصرة وقطائعها ، وكتابين لرجلين من أهلها يسمى أحدهما عبد القاهر ، كريزي النسب ، [ في ] صفاتها وذكر أسواقها ومحالها وشوارعها . ولا أعلم في أخبار الكوفة غير كتاب عمر بن شبة ( 4 ) . وأما الجبال وخراسان وطبرستان وجرجان وكرمان وسجستان والسند والري وأرمينية وأذربيجان وتلك الممالك الكثيرة الضخمة فلا أعلم في شيء منها تأليفاً قصد به أخبار ملوك تلك النواحي وعلمائها وشعرائها وأطبائها ( 5 ) ، ولقد تاقت النفوس إلى أن يتصل بها تأليف في أخبار فقهاء بغداد ، وما علمناه علم ، على أنهم العلية الرؤساء والأكابر العظماء . ولو كان في شيء من ذلك تأليف لكان الحكم في الأغلب أن يبلغنا كما بلغ سائر تآليفهم ، وكما بلغنا كتاب
--> ( 1 ) يريد أبا علي القالي ، فهو قد أصبح - حسب مقياسه - أندلسياً . ( 2 ) أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور ( - 280 ) : ترجمته في معجم الأدباء 1 : 152 وتاريخ بغداد والفهرست ، وقد بقيت قطعة من كتابه تاريخ بغداد نشرها المستشرق هنسي كلر بالزنكو غراف 1908 وأعيد طبعها بمصر 1368 ه - . وبقي من كتابه المنظوم والمنثور جزءان ( القاهرة ، أدب 587 ) . ( 3 ) انظر ترجمة عمر بن شبة في معجم الأدباء 6 : 481 ، والتهذيب 7 : 460 ونور القبس : 231 وبغية الوعاة : 361 . والكتاب الذي يشير إليه ابن حزم هو : أخبار أهل البصرة . ( 4 ) ذكر السخاوي فيمن ألف في الكوفة : ابن مجالد ، وعمر بن شبة ، وأبا الحسين محمد بن جعفر التميمي الكوفي النحوي ( الإعلان : 128 ) . ( 5 ) استفاض التاريخ للبلدان بعد ابن حزم ، انظر الإحاطة 1 : 90 وما بعدها ، وانظر الإعلان بالتوبيخ للسخاوي : 121 - 135 .