ابن حزم
99
رسائل ابن حزم الأندلسي
أشكالها اتصلت وصحت المحبة الحقيقية ، وإن لم تميز وراءها شيئاً من أشكالها لم يتجاوز حبها الصورة ، وذلك هو الشهوة ؛ وإن للصور لتوصيلاً عجيباً بين أجزاء النفوس النائية . وقرأت في السفر الأول من التوراة ( 1 ) أن النبي يعقوب عليه السلام أيام رعيه غنماً للابان خاله مهراً لابنته شارطه على المشاركة في إنسالها ، فكل بهيم ليعقوب وكل أغر للابان ، فكان يعقوب عليه السلام يعمد إلى قضبان الشجر يسلخ نصفاً ويترك نصفاً بحاله ، ثم يلقي الجميع في الماء الذي ترده الغنم ، ويتعمد إرسال الطروقة في ذلك الوقت فلا تلد إلا نصفين ، نصفا بهما ونصفاً غراً . وذكر عن بعض القافة أنه أتي بابن أسود لأبيضين ، فنظر إلى أعلامه فرآه لهما عير شك ، فرغب ان يوقف على الموضع الذي اجتمعا عليه ، فأدخل البيت الذي كان فيه مضجعهما ، فرأى فيما يوازي نظر المرأة صورة أسود في الحائط ، فقال لأبيه : من قبل هذه الصورة أتيت في ابنك . وكثيراً ما يصرف شعراء أهل الكلام هذا المعنى في اشعارهم ، فيخاطبون المرئي في الظاهر خطاب المعقول الباطن ، وهو المستفيض في شعر النظام إبراهيم بن سيار ( 2 ) وغيره من المتكلمين ، وفي ذلك أقول شعراً منه : [ من البسيط ] :
--> ( 1 ) انظر سفر التكوين ؛ الأصحاح : 30 / 25 - 43 . ( 2 ) إبراهيم بن سيار النظام أبو إسحاق 231 / 845 أستاذ الجاحظ من أبرز المتكلمين البصريين ، له عدة مؤلفات ( انظر الفهرست : 205 وطبقات المعتزلة : 49 ) وأخباره وآراؤه مبثوثة في كتب الجاحظ ، وللدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة دراسة عنه ( القاهرة 1946 ) ؛ قال ابن النديم : وذهب في شعره مذهب الكلام الفلسفي ، وقد أورد ابن نباتة في سرح العيون : 230 - 231 نماذج من شعره ، ينطبق عليها ما يومئ إليه ابن حزم .