ابن حزم

71

رسائل ابن حزم الأندلسي

سيطرة وقدرة على التصرف ، وهي محفوفة بالخدم والحشم . وقد أحدث ذلك الحجاب الغليظ لدى النساء يقظة عاطفية على الأصوات المسموعة والصور المتخيلة ، حتى ميزهن ابن حزم بالضعف في هذه الناحية ، لسرعة إجابة طبائعهن إلى الهيام عن طريق التخيل ( 1 ) . ولكن الحجاب نفسه ، ولأسباب أخرى في البنية الاجتماعية أصبح السفير بين العاشقين ذا دور هام ، ولكن المرأة تتفوق على الرجل في هذه الناحية ، خاصة إذا كانت عجوزاً ، ولذلك كان أرباب الأسر بقرطبة يحذرون الفتيات الناشئات من النساء ذوات العكاكيز والتسابيح والثوبين الأحمرين ( 2 ) . وأكبر عامل يصنع الفرق بين الرجال والنساء ويمتد اثره إلى المناحي المختلفة في طبيعة كل منهما هو الفرق في العمل وأنواع النشاط ، فالرجال مشغولو النفوس والعقول بجمع المال وصحبة السلطان وطلب العلم وحياطة العيال ومكابدة الأسفار والصيد وضروب الصناعات ومباشرة الحروب وملاقاة الفتن وتحمل المخاوف وعمارة الأرض ( 3 ) ، ومثل هذه الأمور لا تترك للرجل مجالاً كبيراً أو وقتاً كثيراً للانسياق وراء العواطف ؛ أما المرأة فهي متفرغة لا تعنيها هذه الشؤون العنيفة وربما لم تطقها ، ولهذا يظل خيالها مشدوداً إلى شؤون الغزل وما يتعلق به ، ومن ثم كانت النساء أكثر تعاطفاً مع المحبين وأكثر إسعافاً لهما ، فهن يكتمن الاسرار ، ويمقتن من تفشيها منهن ، وأشدهن في الكتمان العجائز منهن ، لان الفتيات ربما أدركتهن الغيرة فبحن بالسر ، وهن يتلذذن بالتضحية في سبيل إسعاد محبين ، بل أحب الأعمال إلى امرأة صالحة مسنة منقطعة الرجاء من الرجال ان تسعى في تزويج يتيمة أو تعير حليها أو ثيابها لعروس فقيرة ( 4 ) ، ويبدو ان هذا النوع من النساء إنما ينتمي إلى طبقات ميسورة ، إذ ليس كل النساء

--> ( 1 ) باب من أحب بالوصف ( رقم : 4 : 117 ) . ( 2 ) باب السفير ( رقم : 11 : 141 - 142 ) . ( 3 ) باب المساعد من الاخوان ( رقم : 17 ص : 165 ) . ( 4 ) الباب السابق نفسه .