ابن حزم

62

رسائل ابن حزم الأندلسي

عن اختلاف الأطماع ، وعد هنالك ضروباً منها ثم قال : " فهذا كله جنس واحد على قدر الطمع فيما ينال " ( 1 ) . ويضيف قائلاً : " فقد رأينا من مات على ولده كما يموت العاشق أسفاً على معشوقه ، وبلغنا عن من شهق من خوف الله تعالى ومحبته فمات ، ويتدرج الطمع من الحظوة والزلفة لدى المحبوب ( كما في حب الإنسان لله ) إلى المجالسة فالمحادثة فالمؤازرة ( محبة السلطان والصديق وذوي الرحم ) وأقصى الطمع المخالطة بالأعضاء : " ولذلك نجد المحب المفرط في ذات فراشه يرغب في مجامعتها على هيئات شتى وفي أماكن مختلفة ليستكثر من الاتصال " فإذا انحسم الطمع لم تكن محبة ، فالمجوسي يستحل ابنته واليهودي ابنة أخيه ، للطمع الموجود ، ولكن المسلم لا يفعل ذلك ولو أنهما أجمل من الشمس وكان هو أعهر الناس وأغزلهم ، لذهاب مادة الطمع ، ( 2 ) ؛ وهكذا غابت تماماً نظرية الاتصال بين النفوس وحل محلها التلاحم الجسدي ، على أشكال شتى . وكأننا بابن حزم بعد عهد " طوق الحمامة " أصبح أكثر إدراكاً لواقع العلاقات الإنسانية . بل أزيد فأقول إن مفهوم الحب الأفلاطوني ، حتى في عهد الطوق لم يكن يلائم ابن حزم ، وإنما كان مادة دخيلة على واقعيته الشاهرة ، ولعله أخذ بالفكرة من زاوية فلسفية ، فلما راح يسرد نماذج من تجارب الحياة ، لم يجد بين الفكرة والواقع لقاء . وحسبك من امرئ يعترف بان " الاغتصاب " يكون أحياناً طريقاً لتحقيق الحب ، ماذا تراه يعني حين يقول : " وربما اتبع المحب شهوته وركب رأسه ، فبلغ شفاءه من محبوبه ، وتعمد مسرته منه على كل الوجوه ، سخط أو رضي " ( 3 ) ، أترى هذا يعني غير التحكم القاسر ، وتنفيذ الإرادة التي لا رد لها !

--> ( 1 ) رسائل ابن حزم : 138 . ( 2 ) المصدر السابق : 138 - 139 . ( 3 ) باب المخالفة ( رقم : 15 ص : 160 ) .