ابن حزم
63
رسائل ابن حزم الأندلسي
وإذا كان انقسام النفوس في عالمها العلوي ( أو في هذه الخليقة ) انقساماً يوازي الآية القرآنية : " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها " فأين يمكن ان يقع في سياق تلاقي الأجزاء حب الذكر للذكر ( 1 ) وإذا كان ذلك في أصل تجزئة النفوس فلماذا لم تكن سبيلاً إلى السكون ولقد أقر ابن حزم - على مستوى الواقع - بوجود هذا النوع من الحب ، اعني انه ذكر " أحداثاً " بعضها معروف مشهور تتصل بذلك النوع ، ولم يحاول ان يعللها - أو يقرر إلى أين تنتهي - على أساس من فكرة انقسام النفوس ، أو حتى على أساس الاستحسان الجسدي الذي يؤدي إلى اتصال النفوس . إن الاعتماد على فكرة انقسام النفوس ( في عالمها العلوي أو في الخليقة ) - وهي على الأساس الافلاطوني أو الأفلوطيني أجزاء من النفس الكلية المتصلة بالأول - لا يلبث لدى ابن حزم ان يتهاوى ، لأننا نكتشف لديه ان النفس تعني عنده " الأمارة بالسوء " ، وهذه تنقاد للشهوات ، وضدها العقل ( وقائده العدل ) ؛ وهاتان الطبيعتان - العقل والنفس - قوتان من قوى الجسد الفعال بهما ، وهما في تنازع مستمر ، فغلبة العقل تعني اتباع العدل والاستضاءة بنور الله ، وغلبة النفس تعني عمى البصيرة وضياع الفرق بين الحسن والقبيح " والروح واصل بين هاتين الطبيعتين وموصل ما بينهما " ( 2 ) ؛ وإذا فإن النفس التي يعرفها ابن حزم ليست قوة نورانية تحيط بها ستور الجسد وتحجب عنها التعرف إلى صنوها ، كما قال في أول الرسالة ، بل هي التي تؤدي إلى هلكة الإنسان ، ورغم ذلك فإن ابن حزم يسميها هي والعقل " جوهرين عجيبين رفيعين علويين " وهكذا يضطرب ابن حزم اضطراباً واضحاً ويزيد من اضطرابه هنا تفرقته بين
--> ( 1 ) ليس في طوق الحمامة أي شاهد على حب الأنثى للأنثى ، مع أن الشواهد الأدبية التي يعرفها ابن حزم ولا بد مليئة بنماذج من هذا النوع ، وانظر ص : 67 . ( 2 ) الباب : 29 ( قبح المعصية ص : 268 ) .