ابن حزم
59
رسائل ابن حزم الأندلسي
ليقول إن النفوس تنقسم في هذه الخليقة ( لا في عالم علوي ) وأنها ليست أكراً ( ولكنه لم يحدد لها شكلاً ) وأن عنصرها رفيع ، فالحب اتصال بين تلك الأجزاء ، على أساس من المجانسة والمشاكلة ( وهو ما لا ينفك ابن داود من تكريره في كتابه وذلك ما قال به المتكلمون في مجلس يحيى ابن خالد ) وذلك سهل على نفس تنزع إلى نفس لان عالمها صاف خفيف وجوهرها صعاد معتدل ، فالحب إذن تقارب بين النفوس وليس منشؤه استحسان الصورة الجسدية إذ لو كان الأمر كذلك لما استحسن محب صورة جسدية ناقصة ، ولو كان الأمر لتوافق في الأخلاق لما أحب المرء من يخالفه . وقد كانت هذه البداية مصدر اضطراب لدى ابن حزم لا ندري سببه ، ولعله اضطراب في النسخة التي وصلتنا ( 1 ) ، فبعد أن أكد أن انقسام النفوس يتم في هذه الخليقة عاد يقول إن قوله المسطر في صدر الرسالة هو " إن الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوي " . وبعد أن قرر أن الاتصال يتم بين أجزاء النفوس المتشاكلة ، وأنه ليس استحساناً جسدياً ولو كان كذلك لما أحب امرؤ صورة ناقصة ، عاد يخبرنا ان الحب يقع في الأكثر على الصورة الحسنة ، لأن النفس الحسنة تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة ، فإذا وجدت وراء الصورة ( الجسدية ) الحسنة مشاكلة اتصلت وصحت المحبة ، فإن لم تميز شيئاً توقفت عند حب الصورة ؛ وهذا يعني أن الحب يبدأ باستحسان الصورة الجسدية الحسنة ، وأن محبة الصور الناقصة أمر نادر . هذا هو شأن الحب الذي يسمى العشق ، فهو امتزاج نفساني ، فان قيل لماذا يحب المرء محبوباً ثم لا يبادله المحبوب ذلك فالجواب عند ابن حزم ان النفس المحبوب في هذه الحالة تكون قد أصبحت أسيرة الأغراض الكثيفة والطبائع الأرضية ، مغمورة بالحجب ، فهي " ساكنة " في ظلمة
--> ( 1 ) قوله : " لا على ما حكاه ابن داود " فلو حذفنا " لا " لزال بعض ذلك الاضطراب .