ابن حزم
60
رسائل ابن حزم الأندلسي
( متقبلة لا مهاجمة ) ولهذا لا تستثار إلا بعد محاولات من ايصال المعرفة إليها وتنبيهها من غفلتها لتستطيع التجاوب مع روح المحب التي تكون متخلصة غير مأسورة ، طالبة لنظيرها " متحركة " ( مهاجمة لا متقبلة ) جاذبة مشتهية لتمام التلاقي . ومثل هذا الفهم يؤكد لابن حزم أن الحب " عملية " تتطلب زمناً متطاولاً ، وتكراراً في ايقاظ نفس الصنو ، فأما ما يتم بسرعة من جراء الاستحسان الجسدي ، أو ما يسمى الحب من النظرة الأولى فذلك هو " الشهوة " ، ولهذا التجاذب بين الصنوين لا يصح ان يحب المرء اثنين في آن معاً . ولكن " الشهوة " نفسها قد تتحول إلى حب ، إذا زادت عن حد الرضى الجسدي ، واجتمعت تلك الزيادة مع اتصال نفساني تشترك فيه الطبائع مع النفس . إذن فنحن إزاء نظريتين في الحب ، لا نظرية واحدة ، وقد لفهما ابن حزم لفاً سريعاً ، وكأنهما ظاهرة واحدة وكأن إحداهما تكمل الأخرى . والواقع أن هنالك حباً بين نفسين ، وهو حب علوي ، لا مدخل فيه للاستحسان الجسدي ، وهنالك حب يبدأ بالاستحسان الجسدي ، وهو شهوة ، ثم تصعد الشهوة بالرضى الجنسي أو ما أشبهه لدى المحب والمحبوب ( كقصة الرجل الذي كان يبتاع الجارية وهي سالمة الصدر من حبه ، بل ربما كرهته ، وسرعان ما يتحول الكره إلى كلف شديد لأنه كان بطيء الإراقة ، تقضي المرأة شهوتها معه مرة أو مرتين ) فتوافق الشهوة أخلاق النفس ، فتنشأ المحبة . وعلى الرغم من غموض في عبارة " توافق أخلاق النفس " فان البون شاسع جداً بين النظرية الأولى والثانية ، لأن النفسين في الحالة الثانية لم تتعارفا إلا بعد تعارف الجسدين ، وليس من الضروري ان تكونا منقسمين في عالمها العلوي ، فإذا أقررنا بهذا الاحتراس ، انتقضت النظرية الأولى ، وهي منقوضة منذ البداية ، لأنها لا تستطيع ان تفسر حالات الحب في الواقع كما عرضها ابن حزم . ومثال واحد على ذلك يعد كافياً في هذا المقام : ابن حزم نفسه الذي لم يكن يؤمن إلا بالحب بعد تطاول الزمن ، أحب أولاً وثانياً وثالثاً ورابعاً ، فهل