ابن حزم

49

رسائل ابن حزم الأندلسي

يقف ابن حزم عند بعض هذه الظواهر لأن وضعه الوداع تحت اسم البين جعله يفكر في البين المتأتي عن الرحلة أو عن الموت . وقد تنبه ابن داود إلى أن مواقف الشعراء من الوداع متفاوتة ، فمنهم من يسارع إلى الفراق تغنماً لساعة الوداع لان فيه " عناقاً وانتظار اعتناق يوم التلاق " ومنهم من يصبر عليه ويتعمد ألا يشهد منظر الوداع إشفاقاً من ألمه ؛ وقد فتح الباب بذلك لابن حزم كي يقول : ولهذا تمنى بعض الشعراء البين ومدحوا يوم النوى ، وما ذاك بحسن ولا صواب ولا بالأصيل من الرأي فما يفي سرور ساعة بحزن ساعات . . الخ " . 7 - ويلتقي المؤلفان في كثير من الحقائق العامة التي عرضاها عند الحديث عن حفظ السر والإذاعة ( البابان 12 ، 13 عند ابن حزم ؛ والبابان 43 ، 44 في الزهرة ) حتى ليلتقيان في بعض العبارات ، فيقول ابن داود في من يطوي سره رغم مضاضة الكتمان " شديد الإبقاء على إلفه " ( 311 ) ويقول ابن حزم " وربما كان سبب الكتمان إبقاء المحب على محبوبه " . ويتفقان على أن المحب لا يملك أحياناً إلا البوح بسره لأنه يمتلكه من الوجد ما يغلبه أو بتعبير ابن حزم : " وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب " . 8 - ولا خلاف في أن ابن حزم حين يتحدث عن الحب من أول نظرة وعن الحب بعد المطاولة ( الفصلان 5 ، 6 ) يعتمد تجارب عرفها عند غيره وفي نفسه ، ولكن أصول هذا كله متوفرة في الزهرة ( 330 ) حيث يقرر ابن داود أن ما وقع من الهوى بأول نظر كان بقاؤه يسيراً وأما ما كان استحساناً ينمو على مر الأيام فإنه لا يزول - إذا قدر له ذلك - إلا ببطء ؛ ويتبنى ابن حزم نفسه هذا الموقف حين يقول " وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة ، ولا أكاد أصدقه ، ولا اجعل حبه إلا ضرباً من الشهوة " ويقول في تصوير المطاولة : " فما دخل عسيراً لم يخرج يسيراً " ويقابل هذا عند ابن داود قوله : كل شيء في العالم إن اعتبرته وجدت ما ارتقى إلى هذه الغاية القصوى بغير