ابن حزم
393
رسائل ابن حزم الأندلسي
للإعجاب بما لا منفعة فيه وهل المعجب بذلك الا كالمعجب بمال جاره وبجاه غيره وبفرس لغيره سبق كان على رأسه لجامه ( 1 ) ، وكما تقول العامة في أمثالها : " كالخصي يزهى بذكر أبيه " . ( 2 ) ( ل ) فان تعدى بك العجب إلى الامتداح فقد تضاعف سقوطك ، لأنه قد عجز عقلك عن مفارقة ( 3 ) ما فيك من العجب . هذا ان امتدحت بحق ، فكيف ان امتدحت بكذب ! وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب ، عم النبي صلى الله عليه وعلى نوح وإبراهيم وسلم ، أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى من ولد آدم وممن الشرف كله في اتباعهم ، فما انتفعوا بذلك . وقد كان فيمن ولد لغير رشدة ، من كان الغاية في رئاسة الدنيا كزياد وأبي مسلم ، ومن كان نهاية في الفضل على الحقيقة كبعض من نجله عن ذكره في مثل هذا الفصل ممن يتقرب إلى الله تعالى بمحبته ( 4 ) والاقتداء بحميد آثاره . ( م ) وان أعجبت بقوة جسمك فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك وأحمل للأثقال ، وان أعجبت بخفتك ، فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب . فمن أعجب العجيب إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق . 162 - واعلم أن من قدر في نفسه عجباً أو ظن لها على سائر الناس فضلاً ، فلينظر إلى صبره عندما يدهمه من هم أو نكبة أو وجع أو دمل أو مصيبة ، فان رأى في نفسه قلة الصبر ( 5 ) فليعلم أن جميع أهل
--> ( 1 ) هذه حكاية عن أبي عبيدة أن الخيل أجريت للرهان فسبق فرس فجعل رجل من النظارة يكبر ويثب فقيل له أكان الفرس لك قال : لا ولكن اللجام لي ( الميداني : 2 : 57 ) . ( 2 ) يشبه في الأمثال القديمة " كالفاخرة بحدج ربتها " ( الحدج : المركب ) ( انظر فصل المقال : 401 والميداني 2 : 57 ) وأورده الميداني ( 2 : 81 ) كالخصي يفتخر بزب مولاه . ( 3 ) ص : عن مفارقة مقاومة ( فكأنه أثبت قراءتين ) . ( 4 ) د : بحبه . ( 5 ) د . م : فان رأى نفسه قليلة الصبر .