ابن حزم
394
رسائل ابن حزم الأندلسي
البلاء من المجذمين وغيرهم من الصابرين ، أفضل منه على تأخر طبقتهم في التمييز . وان رأى نفسه صابرة فليعلم أنه لم يأت بشيء يسبق فيه على ما ذكرنا بل هو إما متأخر عنهم وإما مساو لهم ، ولا مزيد . 163 - ثم لينظر إلى سيرته وعدله أو جوره فيما خوله الله تعالى من نعمة أو مال أو خول أو أتباع أو صحة أو جاه ، فان وجد نفسه مقصرة فيما يلزمه من الشكر لواهبه تعالى ، ووجدها حائفة في العدل ، فليعلم أن أهل العدل والشكر والسيرة الحسنة من المخولين أكثر مما هو فيه ، أفضل منه . فإن رأى نفسه ملتزمة للعدل ، فالعادل بعيد من العجب البتة لعلمه بموازين الأشياء ، ومقادير الأخلاق ، والتزامه التوسط الذي هو الاعتدال بين الطرفين المذمومين . فإن أعجب لم يعدل ، بل قد مال إلى جنبة الافراط المذمومة . 164 - ولتعلم أن التعسف وسوء الملكة لمن خولك الله أمره من رقيق أو رعية يدلان على خساسة النفس ودناءة الهمة وضعف العقل ، لان العاقل الرفيع النفس العالي الهمة ، انما يغالب أكفاءه في القوة ونظراءه في المنعة . وأما الاستطالة على من لا يمكنه المعارضة ، فسقوط في الطبع ورذالة في النفس والخلق وعجز ومهانة ، ومن فعل ذلك فهو بمنزلة من يتبجح بقتل جرذ أو بعقر برغوث أو بفرك قملة وحسبك بهذا ضعة وخساسة . 165 - واعلم أن رياضة النفس ( 1 ) أصعب من رياضة الأسد ، لان الأسد إذا سجنت في البيوت التي تتخذها ( 2 ) لها الملوك ، أمن شرها ، والنفس ان سجنت لم يؤمن شرها .
--> ( 1 ) م : الأنفس . ( 2 ) ص : تتخذ .