ابن حزم

392

رسائل ابن حزم الأندلسي

( ي ) وان أعجبت بنسبك ، فهذه أسوأ من كل ما ذكرنا ، لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلاً في دنيا ولا آخرة . وانظر هل يدفع عنك جوعة أو يستر لك عورة أو ينفعك في آخرتك . ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك ، وربما فيما هو أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء عليهم السلام ثم ولادة الخلفاء ، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء ثم ولادة ملوك العجم من الأكاسرة والقياصرة ، ثم ولادة التبابعة وسائر ملوك الاسلام ، فتأمل غبراتهم وبقاياهم ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة ، وتلقهم في غاية السقوط والرذالة والتبذل والتحلي بالصفات المذمومة . فلا تغتبط بمنزلة هم نظراؤك أو فوقك . ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فساقاً ، وشربة خمور ، ولاطة ، ومتعبثين ( 1 ) ، ونوكى ، أطلقت الأيام أيديهم بالظلم والجور ، فأنتجوا آثاراً ( 2 ) قبيحة يبقى عارهم بذلك على الأيام ، ويعظم إثمهم والندم عليها يوم الحساب . فإن كان ذلك فاعلم أن الذي أعجبت به من ذلك داخل في العيب والخزي والعار والشنار ، لا في الاعجاب . ( ك ) فان أعجبت بولادة الفضلاء إياك ، فما أخلى يدك من فضلهم ان لم تكن أنت فاضلاً ، وما أقل غناءهم عنك في الدنيا والآخرة ان لم تكن محسناً ، والناس كلهم ولد آدم الذي خلقه الله تعالى بيده ، وأسكنه جنته وأسجد له ملائكته ، ولكن ما أقل نفعه لهم ، وفيهم كل عيب ( 3 ) وكل فاسق وكل كافر . وإذا فكر العاقل في أن فضائل آبائه لا تقربه من ربه تعالى ولا تكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده أو بفضله في نفسه ولا ماله ، فأي معنى

--> ( 1 ) م : ومغنين . ( 2 ) م : فأنتجوا ظلماً وآثاراً . ( 3 ) م : معيب ، وقد تقرأ كذلك في ص .