ابن حزم
37
رسائل ابن حزم الأندلسي
هذا لا ينفي أن الطوق للحماسة زينة منحتها بدعاء نوح ، حين أرسلها لتستكشف المدى الذي سترسو عنده سفينته ، فطوق الحمامة هنا كناية عن استلهام الجمال الذي هو مثار الحب اعني جمال الطوق لأنه حلية متميزة عن سائر لون الحمامة . ولست أستطيع هنا أن أتحدث عن " الحمائم " التي تقود مركبة فينوس - ربة الحب - في الأساطير الرومانية ، فربما كان التوجه إلى هذا المعنى إيغالاً في التصور ، ونقلاً من حضارة إلى حضارة أخرى ، ولست كذلك أتوجه إلى أفانين الحب التي يمارسها الحمام ، والتي يرى الجاحظ - أو من نقل عنه - أنها هي عين الممارسات التي توجد لدى الإنسان ( 1 ) ، كأنما هي صورة طبق الأصل من شتى المواقف من إخلاص وغيرة وشذوذ وتضحية وما إلى ذلك من فنون ، ولكني حين أجدني أصل إلى الحيرة في سر هذه التسمية ، أتوقف عند " الجمال " " والتميز " ، وكأني بابن حزم يقول : هذا كتاب يتحدث عن العلاقة السرية بين الجمال والحب أو هذا الكتاب بين الكتب كطوق الحمامة بالنسبة للحمامة ؛ وعند هذا الحد أجد الثعالبي يقول إن الحمامة إنما أعطيت طوقها " من حسن الدلالة والطاعة " ، فأضيف إلى الجمال والتميز عنصر " الطاعة " وهو عنصر هام في مفهوم الحب . ومع أن ابن حزم يقول في رسالته : " وكلفتني أعزك الله ان أصنف لك رسالة في صفة الحب وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " فغن العنوان الذي اختاره لرسالته هو " في الألفة والألاف " ، يعني أنه تجاوز في رسالته ما كلفه به صديقه لأن " الألفة " كلمة أعم من " الحب " وهي ناظرة إلى الحديث الشريف في الأرواح : " فما توافق منها ائتلف " . وبسبب هذه العمومية نجده أحياناً يخرج في أمثلته . التي يوردها من دائرة العشق ، وذلك شيء سأتحدث عنه عند الحديث عن العلاقة بين نظريته في الحب ، وتطبيقه لتلك النظرية .
--> ( 1 ) الحيوان 3 : 63 .