ابن حزم

356

رسائل ابن حزم الأندلسي

ترى لو أن قائلاً قال : ان فلاناً يطأ أخته ، لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فسر فقال : هي أخته في الإسلام ، ظهر فحش هذا الاجمال وقبحه ! وأما أنا فاني إن قلت لا آلم لنيل من نال مني لم أصدق ، فالألم في ذلك مطبوع مجبول في البشر كلهم . لكني قد قصرت نفسي على أن لا أظهر لذلك غضباً ولا تخبطاً ولا تهيجاً ، فان تيسر لي الامساك عن المقارضة جملة بأن أتأهب لذلك فهو الذي اعتمد عليه بحول الله تعالى وقوته ، وان بادرني الأمر لم أقارض الا بكلام مؤلم غير فاحش أتحرى فيه الصدق ولا أخرجه مخرج الغضب ولا الجهل . وبالجملة فاني كاره لهذا ، الا لضرورة داعية اليه مما أرجو به قمع المستشري في النيل مني أو قدع الناقل إلي ، إذ أكثر الناس محبون لإسماع المكروه من يسمعونه إياه على ألسنة غيرهم ، ولا شيء أقدع لهم من هذا الوجه ، فإنهم يكفون به عن نقلهم المكاره على ألسنة الناس إلى الناس وهذا شيء لا يفيد الا إفساد الضمائر وادخال النمائم فقط . ثم بعد هذا فان النائل مني لا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لها : أما أن يكون كاذباً ، وإما أن يكون صادقاً . فإن كان كاذباً فلقد عجل الله لي الانتصار منه على لسان نفسه بأن حصل في جملة أهل الكذب ، وبأن نبه على فضلي بأن نسب إلي ما أنا منه برئ العرض ، وقد يعلم أكثر السامعين له كذبه إما في وقته ذلك وإما بعد بحثهم عما قال . وان كان صادقاً فإنه لا يخلو من أحد من ثلاثة أوجهك إما أن أكون شاركته في أمر استرحت اليه استراحة المرء إلى من يقدر فيه ثقة وأمانة ، فهذا أسوأ الناس حالة ، وكفى به سقوطاً وضعة . وإما أن يكون عابني بما يظن أنه عيب وليس عيباً ، فقد كفاني جهله شأنه . وهو المعيب لا من عاب . وإما أن يكون عابني بعيب هو في علي الحقيقة وعلم مني نقصاً أطلق به لسانه ، فإن كان صادقاً فنفسي أحق بأن ألوم منه ، وأنا حينئذ أجدر بالغضب على نفسي مني على من عابني بالحق . وأما أمر إخواني فإني لست أمسك عن الامتعاض لهم ، لكني