ابن حزم

339

رسائل ابن حزم الأندلسي

باب العقل كله والراحة كلها - من قدر انه يسلم من طعن الناس وعيبهم فهو مجنون . من حقق النظر وراض ( 1 ) نفسه على السكون إلى ( 2 ) الحقائق وإن ألمتها في أول صدمة ، كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكثر من اغتباطه بمدحهم إياه ، بل مدحهم إياه إن كان بحق ، وبلغه مدحهم له ، أسرى ذلك فيه العجب فأفسد بذلك فضائله ، وإن كان بباطل فبلغه فسر فقد صار مسروراً بالكذب ، وهذا نقص شديد . وأما ذم الناس إياه ، فإن كان بحق فبلغه فربما كان لك سبباً إلى تجنبه ما يعاب عليه ، وهذا حظ عظيم لا يزهد فيه إلا ناقص ، وإن كان بباطل فبلغه ، فصبر ، اكتسب فضلاً زائداً بالحلم والصبر ، وكان مع لك غانماً لأنه يأخذ حسنات من مه بالباطل فيحظى بها في دار الجزاء أحوج ما يكون إلى النجاة بأعمال لم يتعب فيها ولا تكلفها ، وهذا حظ رفيه لا يزهد فيه إلا مجنون . وأما أن ( 3 ) لم يبلغه مدح الناس إياه ، فكلامهم وسكوتهم سواء . وليس كذلك ذمهم إياه لأنه غانم للأجر على كل حال بلغه ذمهم أو لم يبلغه . ولولا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثناء الحسن : " ذلك عاجل بشرى المؤمن " ( 4 ) ، لوجب أن يرغب العاقل في الذم بالباطل أكثر من رغبته في المدح بالحق . ولكن إذ جاء هذا القول فإنما تكون البشرى بالحق لا بالباطل فإنما تجب البشرى بما في المدح لا بنفس المدح . 9 - ليس بين الفضائل والرذائل ولا بين الطاعات والمعاصي إلا نفار النفس وأنسها فقط . فالسعيد من أنست نفسه بالفضائل والطاغات ونفرت من الرذائل والمعاصي ، والشقي من أنست نفسه بالرذائل

--> ( 1 ) ص : وأرض . ( 2 ) ص : على السكوت على . ( 3 ) ص : أن من . ( 4 ) الحديث في صحيح مسلم ( بر : 166 ) وابن ماجة ( زهد : 25 ) ومسند أحمد 5 : 156 ، 157 ، 168 .