ابن حزم

337

رسائل ابن حزم الأندلسي

على وجوده ككثير من الأنبياء ، عليهم السلام ، ومن تلاهم من الزهاد والفلاسفة ، وفي الناس من يبغض اللذات بطبعه ويستنقص طالبها كمن ذكرنا من المؤثرين فقد المال على اقتنائه ، وفي الناس من يؤثر الجهل على العلم كأكثر من نرى من العامة ، وهذه هي أغراض الناس التي لا غرض لهم سواها . وليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهى أحد ( 1 ) يستحسن الهم ، ولا يريد إلا طرحه عن نفسه . فلما استقر في نفسي هذا العلم الرفيع ، وانكشف لي هذا السر العجيب وأنار الله تعالى لفكري هذا الكنز العظيم بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم الذي هو المطلوب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الانسان ، الجاهل منهم والعالم والصالح والطالح على السعي له . فلم أجدها إلا التوجه إلى الله عز وجل بالعمل للآخرة . وإلا فإنما طلب المال طلابه ليطردوا به عن أنفسهم هم الفقر ، وإنما طلب الصوت من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها ، وإنما طلب اللذات من طلبها ليطرد به عن نفسه هم الجهل ، وإنما هش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم التوحد ومغيب أحوال العالم عنه ، وإنما أكل من أكل وشرب من شرب ، ونكح من نكح ، ولبس من لبس ، ولعب من لعب ، واكتنز من اكتنز ، وركب من ركب ، ومشى من مشى ، وتودع من تودع ، ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم . وفي كل ما ذكرنا لمن تدبره هموم حادثة لابد منه : من عوارض تعرض في خلالها وتعذر ما يتعذر منها ، وذهاب ما وجد منها والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة ، وأيضاً سوء شح ( 2 ) بالحصول على ما حصل عليه

--> ( 1 ) ص : لأحد ، والتصويب عن م . ( 2 ) د والمحمصاني : وأيضاً نتائج سوء تنتج .