ابن حزم

328

رسائل ابن حزم الأندلسي

نظرته في المجموعة البشرية وشؤونها حين يقول : " تأملت كل ما دون السماء وطالت فيه فكرتي فوجدت كل شيء فيه وغير حي ، من طبعه إن قوي أن يخلع على غيره من الأنواع هيأته ويلبسه صفاته ، فترى الفاضل يود لو كان كل الناس فضلاء وترى الناقص يود لو كان كل الناس نقصاء ، وكل ذي مذهب يود لو كان الناس موافقين له . " وعلماء الاجتماع المحدثون يرون في هذه الظاهرة ميلا إلى " الانسجام الاجتماعي " . - 2 - وتسلمنا هذه النظرات الاجتماعية إلى ذلك المبدأ العام الذي لون تفكير ابن حزم في كلياته وجزئياته وهو " التوجه إلى الله تعالى " ، فقد كان هذا الاعتبار حاضراً في ذهنه عند كل قولة يقولها وكل رأي يبديه حتى استسلمت فلسفته إلى نوع من الزهد يوحي لأول وهلة أنه يتعارض مع مبادئه الاجتماعية ، ولكنه في الواقع زهد صحيح وسليم ، تستطيع أن تعبيره تحقيقاً دقيقاً للسنة الاسلامية ، ولا يضطلع به ، بمثل هذا الوضوح ، إلا رجل كابن حزم في تحريه ودقته وسعة اطلاعه وتشربه لروح الدين الاسلامي ، فابن حزم مؤمن بقيمة الزهد ، وتوجهه نظرته التشاؤمية أحياناً إلى تحبيب العزلة ، ولكنه في مجموع نظرته يفهم أن الزهد هو التغلب على النفعية جهد الطاقة ، وانه التربية النفسية التي تضحي بالعجب وتقضي عليه ، ولذلك وقف كثيراً من جهده على توضيح الطرق التي يحارب بها العجب ، ومضى يدرس الأفراد حتى يقف على دوافع هذه الرذيلة في أعماق نفوسهم ليستطيع القضاء على تلك الدوافع في منابتها . والزهد أيضاً هو التكيف المحمود الذي يمثله الرسول ، وقد لخص ابن حزم سيرة الرسول في هذه الناحية تلخيصاً مبدعاً حين قال " وقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو القدوة في كل خير والذي أثنى الله تعالى على خلقه والذي جمع فيه تعالى أشتات