ابن حزم

329

رسائل ابن حزم الأندلسي

الفضائل بتمامها وأبعده عن كل نقص ، يعود المريض مع أصحابه راجلاً في أقصى المدينة بلا خف ولا نعل ولا قلنسوة ولا عمامة ، ويلبس الشعر إذا حضره ، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره ، لا يتكلف إلى ما لا يحتاج اليه ولا يترك ما يحتاج إليه ، ويستغني بما وجد عما لا يجد ، ومرة يمشي حافياً راجلاً ، ومرة يمشي بالخف ، ويركب البغلة الرائعة الشهباء ومرة يركب الفرس عرياً ومرة يركب الناقة ومرة يركب حماراً ، ويردف عليه بعض أصحابه ، ومرة يأكل التمر دون خبز ، والخبز يابساً ، ومرة يأكل العناق المشوية ، والبطيخ بالرطب والحلوى ، يأخذ القوت ويبذل الفضل ويترك ما لا يحتاج اليه ، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة اليه ، ولا يغضب لنفسه ولا يدع الغضب لربه عز وجل " . ولا شك أن رجال الدين الذي دعوا إلى الزهد الخالص في الدنيا أو الذين يفعلون ذلك ، في حاجة إلى أن يقرأوا هذه النبذة القصيرة التي تحدد معنى الزهد الطبيعي . وبمثل هذه البصيرة النافذة وذلك الذكاء المدهش استطاع ابن حزم أن يحل كثيراً من المشكلات التي أثارتها حياة الزهد على مر العصور ، فقد كان الزهاد يتجادلون حول الفقر والغنى وأيهما أفضل : الغني أو الفقير ، ولما سئل ابن حزم " آلبلاء أفضل أم العافية والفقر أفضل أم الغنى أجاب دون تردد : هذا سؤال فاسد ، إنما الفضل للعباد بأعمالهم ونحن نسأل الله تعالى العافية والغنى ونعوذ بالله من البلاء والفقر ، وإنما الفضل بالصبر والشكر [ الرسائل : الورقة 231 ] . وفي موطن آخر استطاع ابن حزم أن يوقفنا على رأي صحيح واضح في مشكلة الزهد الذي يدعو إلى المغالاة في التعبد ، فقد سئل : ما الحد الأعلى في التعبد فكان جوابه : أنا اكره لكل واحد أن يزيد عن عدد ما كان يتنفل به نبيه محمد لوجهين : أحدهما : قول الله عز