ابن حزم

316

رسائل ابن حزم الأندلسي

بعرس في بعض الشوارع بقربطة ، والنكوري الزامر قاعد في وسط الحفل ، وفي رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي ، وفرسه بالحلية المحلاة يمسكه غلامه ، وكان فيما مضى يزمر لعبد الرحمن الناصر ، وهو يرمز في البوق بقول أحمد بن كليب في أسلم : [ من المتقارب ] أسلمني في هوا . . . ه‍ أسلم هذا الرشا غزال له مقلة . . . يصيب بها من يشا وشى بيننا حاسد . . . سيسأل عما وشى ولو شاء أن يرتشي . . . على الوصل روحي ارتشى ومغن محسن يسايره فيها ؛ قال : فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ، ولزم بيته والجلوس على بابه ، فكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائراً ، ومقبلاً نهاره كله ، فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهاراً ، فإذا صلى المغرب واختلط الظلام خرج مستروحاً وجلس داره نهارا ، فإذا صلى صبر أحمد بن كليب ، فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة من جباب أهل البادية ، واعتم بمثل عمائمهم ، وأخذ بإحدى يديه دجاجاً ، وبالأخرى قفصاً فيه بيض ، وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه ، فتقدم إليه وقبل يده ، وقال يأمر مولاي بأخذ هذا ، فقال له أسلم : ومن أنت فقال : صاحبك في الضيعة الفلانية ، وقد كان تعرف أسماء ضياعه وأصحابه فيها ، فأمر أسلم بأخذ ذلك منه ، ثم جعل أسلم يسأله عن الضيعة ، فلما جاوبه أنكر الكلام وتأمله فعرفه ، فقال له : يا أخي ! وهنا بلغت بنفسك ، وإلى هاهنا تبعتني ، أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب ، وعن الخروج جملة ، وعن القعود على بابي نهاراً ، حتى قطعت علي جميع ما لي فيه راحة ، فقد صرت من سجنك ( 1 ) . والله ، لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي ، ولا قعدت ليلاً

--> ( 1 ) ياقوت : في سجنك .