ابن حزم

317

رسائل ابن حزم الأندلسي

ولا نهاراً على بابي . ثم قام وانصرف أحمد بن كليب كئيباً حزيناً . قال محمد بن الحسن : واتصل ذلك بنا ، فقلنا لأحمد بن كليب ، وخسرت دجاجك وبيضك فقال : هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك . قال : فلما يئس من رؤيته البتة نهكته العلة ، وأضجعه المرض . قال محمد بن الحسن : فأخبرني أبو عبد الله محمد بن خطاب شيخنا ، قال : فعدته فوجدته بأسوأ حال ، فقلت له : ولم لا تتداوى فقال : دوائي معروف ، وأما الأطباء فلا حيلة لهم في البتة ، فقلت له : وما دواؤك فقال : نظرة من أسلم ، فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك ، وكان هو والله أيضاً يؤجر ، قال : فرحمته وتقطعت نفسي له ، ونهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه ، فأذن لي وتلقاني بما يجب ، فقلت له : لي حاجة ، قال : وما هي قلت : قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي ، فقال : نعم ، ولكن قد تعلم أنه برح بي ، وشهر اسمي وآذاني ، فقلت له : كل ذلك يغتفر في مثل الحال التي هو فيها ، والرجل يموت ، فتفضل بعيادته ، فقال والله ما أقدر على ذلك ، فلا تكلفني هذا ، فقلت له : لابد ، فليس عليك في ذلك شيء ، وإنما هي عيادة مريض ، قال : ولم أزل به حتى أجاب ، ولا خلف ، قال : نعم . فانصرفت إلى أحمد بن كليب ، وأخبرته بموعده بعد تأبيه ، فسر بذلك وارتاحت نفسه . قال : فلما كان الغد بكرت إلى أسلم وقلت له : الوعد ، قال : فوجم وقال : والله لقد تحملني على خطة صعبة علي ، وما أدري كيف أطيق ذلك . قال : فلما أتينا منزل أحمد بن كليب ، وكان يسكن في آخر درب طويل ، وتوسط الدرب ، وقف واحمر وخجل ، وقال لي : الساعة والله أموت ، وما أستطيع أن أنقل قدمي ، ولا أن أعرض هذا على نفسي ، فقلت : لا تفعل ، بعد أن بلغت المنزل تنصرف قال : لا سبيل والله إلى ذلك البتة ، قال : ورجع مسرعاً فاتبعته ، وأخذت بردائه