ابن حزم
307
رسائل ابن حزم الأندلسي
[ خاتمة ] هنا أعزك الله انتهى ما تذكرته ايجاباً لك ، وتقمنا ( 1 ) لمسرتك ، ووقوفاً عند أمرك ، ولم أمتنع أن أورد لك في هذه الرسالة أشياء يذكرها الشعراء ويكثرون القول فيها ، موفيات على وجهها ، ومفردات في أبوابها ، ومنغمات التفسير ، مثل الإفراط في صفة النحول وتشبيه الدموع بالأمطار وأنها تروي السفار ، وعدم النوم البتة ، وانقطاع الغذاء جملة ، إلا أنها أشياء لا حقيقة لها ( 2 ) ، وكذب لا وجه له ، ولكل شيء حد ، وقد جعل الله لكل شيء قدراً . والنحول قد يعظم ولو صار حيث يصفونه لكان في قوام الذرة أو دونها ، ولخرج عن حد المعقول . والسهر قد يتصل ليالي ، ولكن لو عدم الغذاء أسبوعين لهلك ، وإنما قلنا الصبر عن النوم أقل من الصبر عن الطعام لان النوم غذاء الروح ، والطعام غذاء الجسد ، وإن كانا يشتركان في كليهما ولكنا حكينا على الأغلب . وأما الماء فقد رأيت أن ميسوراً البناء جارنا بقرطبة يصبر عن الماء أسبوعين في حمارة القيظ ويكتفي بما في غذائه من رطوبة . وحدثني القاضي أبو عبد الرحمن بن جحاف ( 3 ) انه كان يعرف من كان لا يشرب الماء شهراً . وإنما اقتصرت في رسالتي على
--> ( 1 ) تقمن المسرة : تحريها وتوخيها . ( 2 ) يريد : ولم يمنعني من إيراد هذه الأشياء إلا أنها أشياء لا حقيقة لها . ( 3 ) قد مر التعريف به : 272 .