ابن حزم
244
رسائل ابن حزم الأندلسي
- 27 - باب السلو وقد علمنا أن كل ما له أول فلا بد له من آخر ، حاشا نعيم الله عز وجل بالجنة لأوليائه وعذابه بالنار لأعدائه ؛ وأما أراض الدنيا فنافذة فانية وزائلة مضمحلة ، وعاقبة كل حب إلى أحد أمرين : إما اخترام منية ، وإما سلو حادث . وقد نجد النفس تغلب عليها بعض القوى المصرفة معها في الجسد ، فكما نجد نفساً ترفض الراحات والملاذ للعمل في طاعة الله تعالى وللرياء في الدنيا ، حتى تشتهر بالزهد ، فكذلك نجد نفساً تنصرف عن الرغبة في لقاء شكلها للأنفة المستحكمة المنافرة للغدر ، أو استمرار سوء المكافأة في الضمير ، وهذا أصح السلو . وما كان من غير هذين الشيئين فليس إلا مذموماً . والسلو المتولد من الهجر وطوله إنما هو كاليأس يدخل على النفس من بلوغها إلى أملها ، فيفتر نزاعها ولا تقوى رغبتها ؛ ولي في ذم السلو قصيدة منها : من الطويل ] . إذا ما رنت فالحي ميت بلحظها . . . وإن نطقت قلت السلام ( 1 ) رطاب كأن الهوى ضيف ألم بمهجتي . . . فلحمي طعام والنجيع شراب . ومنها : صبور على الأزم ( 2 ) الذي العز خلفه . . . ولو أمطرته بالحريق سحاب
--> ( 1 ) السلام : الحجارة . ( 2 ) الأزم : الشدة والقحط .