ابن حزم

196

رسائل ابن حزم الأندلسي

ولقد وطئت بساط الخلفاء وشاهدت محاضر الملوك ، فما رأيت هيبة تعدل هيبة محب لمحبوبه ؛ ورأيت تمكن المتغلبين على الرؤساء وتحكم الوزراء ، وانبساط مدبري الدول ، فما رأيت أشد تبجحا ولا أعظم سروراً بما هو فيه من محب أيقن أن قلب محبوبه عنده ووثق بميله إليه وصحة مودته له ؛ وحضرت مقام المعتذرين بين أيدي السلاطين ، ومواقف المهتمين بعظيم الذنوب مع المتمردين الطاغين ، فما رأيت أذل من موقف محب هيمان بين يدي محبوب غضبان قد غمره السخط وغلب عليه الجفاء . ولقد امتحنت الأمرين وكنت في الحالة الأولى أشد من الحديد وانفذ من السيف ، لا أجيب إلى المدينة ولا أساعد على الخضوع ، وفي الثانية أذل من الرداء ، وألين من القطن ، أبادر إلى أقصى غايات التذلل ، وأغتنم فرصة الخضوع لو نجع ، وأتحلل بلساني ، وأغوص على دقائق المعاني ببياني ، وأفتن القول فنوناً ، وأتصدى لكل ما يوجب الترضي . والتجني بعض عوارض الهجران ، وهو يقع في أول الحب وآخره ، فهو في أوله علامة لصحة المحبة ، وفي آخره علامة لفتورها وباب للسلو . خبر : وأذكر في مثل هذا أني كنت مجتازاً في بعض الأيام بقرطبة من مقبرة باب عامر في لمة من الطلاب وأصحاب الحديث ، ونحن نريد مجلس الشيخ أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد المصري ( 1 ) بالرصافة ( 2 ) أستاذي رضي الله عنه ، ومعنا أبو بكر عبد الرحمن

--> ( 1 ) أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي يزيد المصري : دخل الأندلس سنة 394 وكان أديباً حافظاً للحديث وأسماء الرجال والأخبار ، وسكن قرطبة حتى وقعت الفتنة فعاد إلى مصر وتوفي سنة 410 ( الصلة : 337 ) . ( 2 ) الرصافة : قرأها برشيه " الصواف " اعتماداً على أن هذه كانت صفة أبي القاسم المصري .