ابن حزم

186

رسائل ابن حزم الأندلسي

وأختلس العقول ، مستحسن يعدل إشفاق محب على محبوب . ولقد شاهدت من هذا المعنى كثيراً ، وإنه لمن المناظر العجيبة الباعثة على الرقة الرائقة المعنى ، لا سيما إن كان هوى يكتتم به . فلو رأيت المحبوب حين يعرض بالسؤال عن سبب تغضب بمحبة ، وخجلته في الخروج مما وقع فيه بالاعتذار ، وتوجيهه إلى غير وجهه ، وتحيله في استنباط معنى يقيمه عند جلسائه ، لرأيت عجباً ولذة مخفية لا تقاومها لذة . وما رأيت أجلب للقلوب ولا أغوص على حباتها ( 1 ) ولا أنفذ للمقاتل من هذا الفعل . وإن للمحبين في الوصل من الاعتذار ما اعجز أهل الأذهان الذكية والأفكار القية ؛ ولقد رأيت في بعض المرات هذا فقلت : [ من السريع ] . إذا مزجت الحق بالباطل . . . جوزت ما شئت على الغافل وفيهما فرق صحيح له . . . علامة تبدو إلى العقل كالتبر إن تمزح به فضة . . . جازت على كل فتى جاهل وإن تصادف صائغاً ماهراً . . . ( 2 ) ميز بين المحض والخائل وإني لأعلم فتى وجارية : كان يكلف كل واحد منهما بصاحبه ، فكانا يضطجعان إذا حضرهما أحد وبينهما المسند العظيم من المساند الموضوعة عند ظهور الرؤساء على الفرش ، ويلتقي رأساهما وراء المسند ويقبل كل واحد منهما صاحبه ولا يريان ، وكأنهما إنما يتمددان من الكلل ؛ ولقد كانا بلغا ( 3 ) من تكافيهما في المودة أمراً عظيماً ، إلى أن كان الفتى المحب ربما استطال عليها ؛ وفي ذلك أقول : [ من السريع ] .

--> ( 1 ) في جميع الطبعات : حياتها ؛ وهو وهم . ( 2 ) في جميع الطبعات : والحائل - بالحاء المهملة - ؛ والخائل : المشتبه الأمر . ( 3 ) في الطبعات ( ما عدا برشيه ) : " ولقد كان بلغ " ويسأل من يقرأ هذه القراءة بأي شيء نصبت " أمراً " .