ابن حزم
164
رسائل ابن حزم الأندلسي
البخيل ، وصنه بطارفك وتالدك ، فمعه يكمل الانس ، وتنجلي الأحزان ويقصر الزمان ، وتطيب الأحوال . ولن يفقد الانسان من صاحب هذه الصفة عوناً جميلاً ، ورأياً حسناً ، ولذلك اتخذ الملوك الوزراء والدخلاء كي يخففوا عنهم بعض ما حملوه من شديد الأمور وطوقوه من باهظ الأحمال ، ولكي يستغنوا بآرائهم ، ويستمدوا بكفايتهم ، وإلا فليس في قوة الطبيعة أن تقاوم كل ما يرد عليها دون استعانة بما يشاكلها وهو من جنسها . ولقد كان بعض المحبين - لعدمه هذه الصفة من الإخوان ، وقلة ثقته منهم لما جربه من الناس وانه لم يعدم ممن باح إليه بشيء من سره أحد وجهين : إما إزراء على رأيه وإما إذاعة لسره - أقام الوحدة مقام الأنس ، وكان ينفرد في المكان النازح عن الأنيس ، ويناجي الهواء ، ويكلم الأرض ، ويجد في ذلك راحة كما يجد المريض في التأوه ، والمحزون في الزفير ؛ فغن الهموم إذا ترادفت في القلب ضاق بها ، فإن لم ينص منها شيء ( 1 ) باللسان ، ولم يسترح إلى الشكوى لم يلبث ان يهلك غماً ويموت أسفاً . وما رأيت الإسعاد ( 2 ) أكثر منه في النساء ، فعندهن من المحافظة على هذا الشان والتواصي بكتمانه والتواطؤ على طيه إذا اطلعن عليه ما ليس عند الرجال ، وما رأيت امرأة كشفت سر متحابين إلا وهي عند النساء ممقوتة مستثقلة مرمية عن قوس واحدة . وإنه ليوجد عند العجائز في هذا الشان ما لا يوجد عند الفتيات ، لان الفتيات منهن ربما كشفن ما علمن على سبيل التغير ، وهذا لا يكون إلا في الندرة ، وأما العجائز فقد يئسن من أنفسهن فانصرف الإشفاق محضاً إلى غيرهن .
--> ( 1 ) في الأصل : لم ينض شيء ، وعند برشيه : لم يقش شيئاً . ( 2 ) الاسعاد : المساعفة والعون .