ابن حزم
134
رسائل ابن حزم الأندلسي
- 8 - باب التعريض بالقول ولابد لكل مطلوب من مدخل إليه ، وسبب يتوصل به نحوه ، فلم ينفرد بالاختراع دون واسطة إلا العليم الأول جل ثناؤه ( 1 ) . فأول ما يستعمل طلاب الوصل وأهل المحبة في كشف ما يجدونه إلى أحبتهم التعريض بالقول ، إما بإنشاد شعر ، أو بإرسال مثل ، أو تعمية بيت ، أو طرح لغز ، أو تسليط كلام . والناس يختلفون في ذلك على قدر إدراكهم ، وعلى حسب ما يرونه من أحبتهم من نفار أو أنس أو فطنة أو بلادة . وإني لأعرف من ابتدأ كشف محبته إلى من كان يحب بأبيات قلتها . فهذا وشبهه يبتدئ به الطالب للمودة ، فإن رأى أنساً وتسهيلاً زاد ، وإن يعاين شيئاً من هذه الأمور في حين إنشاده لشيء مما ذكرنا ، أو إيراده لبعض المعاني التي حددنا ، فانتظاره الجواب ، إما بلفظ أو بهيئة الوجه والحركات ، لموقف بين الرجاء واليأس هائل ، وإن كان حيناً قصيراً ، لكنه إشراف على بلوغ الأمل أو انقطاعه . ومن التعريض بالقول جنس ثان ، ولا يكون إلا بعد الاتفاق ومعرفة المحبة من المحبوب ، فحينئذ يقع التشكي وعقد المواعيد
--> ( 1 ) مدخل هذا الفصل في غاية الغرابة : وهو قائم على المقارنة بين الخلق من لا شيء ( الاختراع ) وبين الفعل الإنساني الذي يعتمد على مقدمات .