ابن حزم

135

رسائل ابن حزم الأندلسي

بالتغرير ( 1 ) ، وإحكام المودات بالتعريض ، وبكلام يظهر لسامعه منه معنى غير ما يذهبان إليه ، فيجيب السامع عنه بجواب غير ما يتأدى إلى المقصود بالكلام ، على حسب ما يتأدى إلى سمعه ويسبق إلى وهمه ، وقد فهم كل منهما عن صاحبه وأجابه بما لا يفهمه غيرهما ، إلا من أيد بحس نافذ ، وأعين بذكاء ، وأمد بتجربة ، ولا سيما إن أحس من معانيهما بشيء قلما يغيب عن المتوسم المجيد ، فهنالك لا خفاء عليه فيما يريدان . وأنا اعرف فتى وجارية كانا يتحابان ، فأرادها في بعض وصلها على بعض ما لا يجمل ، فقالت : والله لأشكونك في الملأ علانية ولأفضحنك فضيحة مستورة . فلما كان بعد أيام حضرت الجارية مجلس بعض أكابر الملوك وأركان الدولة وأجل رجال الخلافة ، وفيه ممن يتوقى أمره من النساء والخدم عدد كثير ، وفي جملة الحاضرين ذلك الفتى ، لأنه كان بسبب من الرئيس ، وفي المجلس مغنيات غيرها ، فلما انتهى الغناء إليها سوت عودها واندفعت تغني بأبيات قديمة وهي ( 2 ) : [ من الوافر ] غزال قد حكى بدر التمام . . . كشمس قد تجلت من غمام سبى قلبي بألحاظ مراض . . . وقد الغصن في حسن القوام خضعت خضوع صب مستكين . . . له وذللت ذلة مستهام فصلني يا فديتك في خللا . . . فما أهوى وصالاً في حرام وعلمت أنا هذا الأمر فقلت : [ من الوافر ] عتاب واقع وشكاة ظلم . . . أتت من ظالم حكم وخصم تشكت ما بها لم يدر خلق . . . سوى المشكو ما كانت تسمي

--> ( 1 ) والتقرير قراءة مكي ؛ ويقابلها : والتغرير عند الصيرفي والطبعة البيروتية ؛ والتهديد عند برشيه . والتغرير : المخاطرة . ( 2 ) لم أجد هذه الأبيات بين الأصوات التي كانت ذائعة في المشرق والمغرب .