ابن حزم
130
رسائل ابن حزم الأندلسي
أعمارهم ، حنيناً منهم إلى من فقدوه ، وألفه لمن صحبوه . وما أقول إن ذلك كان تصنعاً لكن طبعاً حقيقياً واختياراً لا يدخل ( 1 ) فيه ، ولا يرون سواه ، ولا يقولون في طي عقدهم بغيره . وإني لأعرف من كان في جيد حبيبه بعض الوقص ( 2 ) فما استحسن أغيد ولا غيداء بعد ذلك ؛ وأعرف من كان أول علاقته بجارية مائلة إلى القصر فما أحب طويلة بعد هذا ؛ وأعرف أيضاً من هوي جارية في فمها فوه ( 3 ) لطيف فلقد كان يتقذر كل فم صغير ويذمه ويكرهه الكراهية الصحيحة . وما أصف عن منقوصي الحظوظ في العلم والأدب لكن عن أوفر الناس قسطاً في الادراك ، وأحقهم باسم الفهم والدراية . وعني أخبرك أني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر فما استحسن من ذلك الوقت سوداء الشعر ، ولو أنه على الشمس أو على صورة الحسن نفسه ، وإني لأجد هذا في أصل تركيبي من ذلك الوقت ، لا تواتيني نفسي على سواه ولا تحب غيره البتة ، وهذا العارض بعينه عرض لأبي رضي الله عنه وعلى ذلك جرى إلى أن وافاه أجله . وأما جماعة خلفاء بني مروان - رحمهم الله - ولا سيما ولد الناصر ( 4 ) منهم ، فكلهم مجبولون على تفضيل الشقرة ، لا يختلف في ذلك منهم مختلف ، وقد رأيناهم ورأينا من رآهم من لدن ( 5 ) دولة
--> ( 1 ) برشيه : داخله . ( 2 ) الوقص : قصر العنق . ( 3 ) ألفوه : سعة في الفم . ( 4 ) يعني عبد الرحمن الناصر ، وقد رزق أحد عشر ذكر ( انظر الجمهرة : 100 ففيه تفصيل لمن أعقب من هؤلاء الأولاد ، وصورة لاتصال النسب حتى أيام ابن حزم ) . ( 5 ) برشيه : من أول .