ابن حزم
359
رسائل ابن حزم الأندلسي
- 3 - رسالة في ألم الموت وإبطاله فصل هل للموت ألم أم لا قال أبو محمد رحمه اللّه : اختلف المتقدمون من أصحاب الطبائع في الموت : هل له ألم أم لا ألم له ، فقالت طائفة إنه لا ألم له أصلا وبهذا نقول ، لبرهانين : أحدهما حسّي والآخر ضروريّ عقلي راجع إلى الحسّ أيضا . فأما الأول فهو أنه كل من رأينا يموت ، وهو في عقله ، إذا سئل عما يجد فإنه يقول : لا شيء إلا الانحلال فقط ، وأن كلّ من يحس عند ذلك ألما فإنه ألم المرض الذي كان فيه ، كالوجع المختصّ بمكان واحد ، وما أشبه ذلك ، حتى إنه لا بدّ من شيء يسمّيه الناس راحة الموت ، ثم لا يكون بين حكايتهم وبين زهوق أنفسهم إلا لمحة يسيرة جدا . وأما البرهان الضروري فإنه لا يكون ألم للشيء المألوم البتة في حين وقوعه ولا يكون إلا في ثاني وقوعه ، وليس للنفس بعد الموت بقاء بحيث يصل إليها الألم الجسدي أصلا ، لأنها قد فارقت الجسد ، وأكثر ما يكون القلق الشديد ، والشوق المرعب ، لمن فارق عقله . وقد يعرض مثل ذلك القلق لمن يبرأ من مرضه ، فإذا برءوا وسئلوا « 1 » عن ذلك أخبروا أنهم لم يكونوا يجدون شيئا . وقد نجد من تخرج النفس من بعض أعضائه فيموت ذلك العضو خاصة من المفلوجين ، ومن عفن بعض أعضائه لبعض القروح والعلل ، لا بالموت ، لخروج النفس عن ذلك الموضع ، حين خروجها ، لا « 2 » بعده . وإنما الألم ما دامت النفس
--> ( 1 ) ص : سئلوا . ( 2 ) ص : ولا لا .