ابن حزم

360

رسائل ابن حزم الأندلسي

في ذلك الموضع قوية التشبث . وأما الطائفة التي قالت إن للموت ألما ، فلم تأت ببرهان يصحّح قولها ، وقد يمكن أن تشغب من شدائد المرض « 1 » ومقدمات الموت التي عنها يكون ، ومن الشريعة بقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » « إن للموت لسكرات » وهذا لا حجة فيه لقولهم ، لأن هذه الآلام التي تظهر من المريض إنما هي ما دامت النفس متشبثة بالجسد مقترنة به ، لا بعد الموت . إنما هو حال الفراق ، وحال الفراق [ أليم ] . وقوله إن للموت سكرات حقّ وصدق لا شكّ فيه ، لأنه قد يمكن أنه عليه السلام يصف ما يكون سببا للموت ، من فساد الجسم واضطراب حاله الموجب للألم للموت ، فهي من سكراته ؛ وقد يكون ذلك لعناء في « 3 » النوم ، فلم يعن عليه السلام قط إلا من له سكرات متقدمة ، وقد يكون عليه السلام [ يصف ] حاله ، وما كان مثلها ، أو يكون على ما كان ما يتخوف بعده ، وما يفكر العاقل حينئذ فيما يقدم « 4 » عليه ، فتكون سكرات معلقة بنفسه ولا سبيل إلا ما يكون إلا ما في قلبه أو فيما بعده حين لقائه لها ، ولم ينصّ عليه السلام على أن حال الموت ذات ألم فيكون معارضا للمذكور ، وحاشا له عليه السّلام أن يأتي بخلاف ما تقتضيه العقول وتدركه المشاهدات ، إنما يصفه بهذا من يريد إطفاء نوره ، وإبطال كلمته ، وتوهين أمره ، ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ، وبالله تعالى التوفيق . تمت الرسالة في ألم الموت وإبطاله والحمد للّه رب العالمين ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد

--> ( 1 ) أي تؤيد رأيها بشغب وسفسطة مستشهدة بشدائد المرض ، وبقول الرسول : إن للموت لسكرات . ( 2 ) انظر هذا الحديث في البخاري ( رقاق : 42 ) وباب الجنائز في ابن ماجة والترمذي ( 64 ، 7 ) ومسند أحمد 6 : 64 ، 70 ، 77 ، 151 . ( 3 ) ص : وفي . ( 4 ) ص : فما تقدم .